فهرس الكتاب
وقال ابن الهمام - رضي الله عنه: (( لو قضى في المجتهد فيه ناسيًا لمذهبه مخالفًا لرأيه نفذ عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - رواية واحدة وإن كان عامدًا ففيه روايتان، وعندهما: لا ينفذ في الوجهين: أي وجه النسيان والعمد، والفتوى على قولهما، وذكر في (( الفتاوى الصغرى ) )أن الفتوى على قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فقد اختلف في الفتوى، والوجه في هذا الزمان أن يفتي بقولهما؛ لأن التارك لمذهبه عمدًا لا يتركه إلا لهوى باطل لا لقصد جميل، وأما الناسي؛ فلأن المقلّد ما قلده إلا ليحكم بمذهبه لا بمذهب غيره، هذا كله في القاضي المجتهد، فأما المقلّد فإنّما ولاه ليحكم بمذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - فلا يملك المخالفة فيكون معزولًا بالنسبة إلى ذلك الحكم )) (1) .
وإن قضى فحكمه لا يمضي
لكنما القاضي به لا يقضي
براجح المذهب حين قلدوا
لا سيما قضاتنا إذ قيدوا
الثالث: الإفتاء بغير مذهبه:
إن الأصل للمفتي المقلّد أن لا يفتي إلا بمذهب إمامه حسب القواعد السابقة؛ إذ أن تقليد إمام معيّن حكم مبنيّ على المصالح الشرعية؛ لئلا يقع الناس في اتباع الهوى، فإن التقاط رخص المذاهب بالهوى والتشهي حرام، ولذلك منع كثير من العلماء التلفيق بين المذاهب، وليس جميع ذلك إلا لوقاية الناس عن اتباع أهوائهم الفاسدة، وإلا فالمحقق أن جميع مذاهب المجتهدين محقّة لا سبيل لطعن في أحد منها؛ لأن كل مجتهد بذل ما في وسعه من جهد في الوصول إلى مراد النصوص واستخراج الأحكام منها.
(1) ينظر: درر الحكام 2: 409، والبحر الرائق 7: 9، ومجمع الأنهر 2: 171، رد المحتار 5: 408، وغيرها.