الصفحة 273 من 374

فليست الشريعة منحصرةٌ في مذهب إمام واحد، بل كل مذهب جزء من أجزاء الشريعة وطريقة من طرق العمل عليها، فالمسائل الفقهية المدونة في مذهب واحد تندرجُ في قسم الشرع المؤول دون الشرع المنَزّل، وإنما الشرع المنزّل دائر بين سائر المذاهب، ومَن ظن أن الشريعة منحصرة في مذهب واحد من هذه المذاهب فإنه مخطئ بيقين.

ومن هذه الجهة ربما يجوز لمفتي مذهب واحد أن يختار قول المذهب الآخر للعمل أو للفتوى بشرط أن لا يكون ذلك بالتشهي المجرّد واتباعًا للهوى، وإنما يجوز ذلك في حالتين:

الأولى: الضرورة أو الحاجة: وذلك أن يكون في المذهب في مسألة مخصوصة حرج شديد لا يطاق أو ضرورة واقعية لا محيص عنها فيجوز أن يعمل بمذهب آخر؛ دفعًا للحرج، ورفعًا للضرورة وهذا كما أفتى علماء الهند بمذهب المالكية في مسألة المفقود وغيرها.

وقد نص علماء المذهب على ذلك في بعض المسائل (1) ، فقد صرَّح جمعٌ من الحنفية كالقُهُستاني (2) والحصكفي (3) ، وابن عابدين وغيرهم: (( بأنّه لو أفتى حنفيٌّ في هذه المسألة بقول مالك - رضي الله عنه - عند الضرورة لا بأس به ) ).

قال العثماني: (( وقد تعقدت في عصرنا المعاملات وكثرت فيها حاجات الناس، ولا سيما بعد حدوث الصناعات الكبيرة وشيوع التجارة فيما بين البلدان والأقاليم، فينبغي للمفتي أن يسهل على الناس في الأخذ بما هو أرفق فيما تعم به البلوى، سواء كان في غير مذهبه من المذاهب الأربعة، وقد أوصى بذلك شيخ مشايخنا العلامة رشيد أحمد الكنكوهي صاحبه الشيخ العلامة أشرف علي التهانوي وقد عمل بذلك التهانوي في كثير من المسائل في (( إمداد الفتاوى ) ).

ولكن يجب لجواز الإفتاء بمذهب الغير بسبب الحاجة أو عموم البلوى أن تتحقق الشروط الآتية:

أن تكون الحاجة شديدة والبلوى عامة في نفس الأمر لا مجرد الوهم بذلك.

(1) ينظر: أصول الإفتاء ص52-53، وغيره.

(2) في جامعِ الرّموز 2: 217.

(3) في الدرِّ المنتقى شرح الملتقى 1: 713-714.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت