الصفحة 275 من 374

وهذا بخلاف الشرع المؤول المذكور في عبارات الفقهاء، فإنّها ليست صادرة عن عالم الغيب فإنها محدودة في إمكانيات الفقهاء ومقتضى استقصائهم واستقرائهم في عهدهم، فمَن الممكن أن يكون الفقهاء قد استعملوا حسب استقراء أحوال زمانهم ولم يتخيّلوا ما سيحدث في الأزمنة الآتية بحيث لم تستوعب عباراتهم هذه الحوادث المستقبلة، فربما يتوهّم من عموم ألفاظهم حكم الحوادث المستقبلة، ولكنهم لم يقصدوها لكونه غير متصوّر في عهدهم.

ومن أمثلة ذلك:

أفتى بعضهم بعدم جواز الصلاة في الطائرة، وعللوا ذلك بأن السجود لا يتحقق فيها؛ لكون السجود عرّفه الفقهاء بوضع بعض الوجه على الأرض على وجه التذلل، فيشترط لتحقق السجود أن يكون وضع الجبهة على الأرض أو على ما يستقر عليها، فإن الطائرة ليست أرضًا ولا مستقرة عليها عند طيرانها؛ لأنها لا تستقر على الهواء، ولا تستقر على الأرض.

وإن هذا الدليل مبنيّ على تعريف الفقهاء للسجود ولا شك أن الفقهاء لما عرفوا السجود لم يتصوّروا الطائرات؛ لكونها غير موجودة ولا متصوّرة في عهدهم، فإنهم حين استعملوا لفظ الأرض لم يقصدوا بذلك إخراج الطائرة، وإنما عبَّروا بلفظ الأرض عن الفرش الذي يسلك عليه الناس، ويعتبر موطئًا للأقدام، والذي لا يتسفّل بثقل الجبهة، ولما كانت هذه الأوصاف لا تتصوّر في عهد الفقهاء إلا في الأرض عرفوا السجود بوضع الجبهة على الأرض.

ولكنه تبين بعد حدوث الطائرات أن هذه الأوصاف المطلوبة للسجود موجودة بأسرها في فرش الطائرات أيضًا، وحينئذ لا يصح الاستدلال بلفظ الأرض في تعريف السجود على عدم جواز السجود عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت