فهرس الكتاب
إن مما سبق تفصيله تبيَّن أن الذي سدّ هو الاجتهاد المستقل؛ لكثرة المتلاعبين وأصحاب الأهواء، وقد ظهر عوضًا عنه الاجتهاد المذهبي، وكان فيه كفاية للناس فيما يقع لهم من مسائل، واستمرّ الفقه به في ازدهاره ونموه؛ بدليل وجود هذا الكم الهائل من الفروع الفقهية التي لا تحصى، ولا يستطيع أن يدعي مدعٍ أن الفقه في هذا العصر قصر عن إيفاء حاجة الناس من الأحكام الشرعية المستجدة لهم، بل على العكس إنه قد أوفى ما طلب منه، وبيّن أحكام كثير من المسائل التي لم تقع.
فإذا كان ذلك فأي جمود لقرائحهم هذا الذي يدعونه وقد بحثوا فيما وقع وما لم يقع وفصلت في أحكامه، وأي ازدهار يريدونه، وقد نظموا الفقه ودرسوه وألفوا فيه الكتب المتنوعة كما سبق تفصيله، إلا أن يكون مقصودكم جعل الشريعة المحمدية لعبة بيدي المتلاعبين من الجهّال والمتزلّفين؛ ليبدلوا الأحكام على حسب أمزجتهم.
الثالث: إن في حمل الناس على تقليد مذهب معيَّن تكليف بما لا يطاق لا سيما في زماننا الذي تغيرت فيه أحوال الناس وتبدلت بسبب المدنية المعاصرة، فلا بد من التيسير عليهم بالانتقاء من المذاهب ما يناسبهم، واستخراج أحكام المسائل الجديدة من المذاهب جملة بالمقارنة بينها لمعرفة الحكم الشرعي.
ويجاب عنها بما يلي:
إن هذا الفقه ليس وليد اليوم أو البارحة، بل إنه موجود منذ أربعة عشر قرنًا، عاشر الناس فيه وعايشهم، وبني على حياتهم، وحل لهم مشكلاتهم، عرفَه المؤمنون في عصور العزّة والنهضة، وطبقته الدول الإسلامية المتعاقبة على رعاياها، فكفى حاجتها، ورغم كلّ هذا الزمان المتطاول لم يشتك أحد من قصر هذه المذاهب عن الوفاء بحاجيات الدول والأفراد، ولم يدع شخص أن في تطبيق مذهب على الناس عسرة، بل نجد كل قوم فرحين بما أتوا من مذهب، منكبين على دراسته وتدريسه وتطبيق مسائله دون اهتمام بغيره.