فهرس الكتاب
إذا اتضح هذا علم أن هذه المقالة وهم وخيال، ليس لها في الواقع مجال، إلا إرباك الناس وإخراجهم عن تطبيق شرع ربهم بحجة العسرة وطلب التيسير أو ضعف أدلة بعض المذاهب أو الترجيح بينها على ما تقتضيه المصلحة أو غير ذلك.
قال الدكتور البوطي (1) : (( الاجتهاد الذي ينادي رجال بالدعوة إليه اليوم، إما أن يراد به الاجتهاد فيما قد جدّ من أمور المسلمين مع الزمن مما لم يبحث في شأنه الأئمة السابقون، وإما أن يكون المقصود به إعادة النظر في اجتهادات الأئمة وفقههم.
فأما الاجتهاد بمعناه الأول، فلا يشك باحث عاقل أن على علماء المسلمين اليوم أن يبحثوا في هذه الأمور الجديدة، ويبذلوا جهدهم في استنباط أحكامها بدليل من الكتاب أو السنة أو القياس أو الإجماع إذا تم لهم ذلك، والاجتهاد في هذا واجب لا مفرَّ منه.
وأما الدعوة إليه بمفهومه الثاني، فهي دعوة باطلة، وشهوة مجردة للتلاعب بالأحكام الشرعية الثابتة، واحتجاج من ورائه غرض سيئ ليس من العسير كشفه والإشارة إليه.
إن الاحتلال البريطاني لمصر، يوم اصطدم بجلمود الفكر الأزهري في كل ما كان يصدر عنه من فتاوى ونظرات وأحكام، لم يجد الوسيلة أمامه إلا أن يفتت هذا الجلمود بمطرقة لا يقوى غيرها على ذلك، هي مطرقة الاجتهاد…
وكان السبيل لاستحضار هذه المطرقة، هو الاعتماد على من يدعون باسم الإسلام إلى الاجتهاد، ونبذ الجمود على الكتب والفتاوى القديمة، فلما توفرت لهم الأبواق الداعية والمروجة لذلك بشتى الأساليب والطرق، أتيح لهم أن يفتتوا تلك الصخرة الفكرية عن طريقهم ـ كما يقول اللورد كرومر في مذكراته ـ وجاء سيل الإنجليز ومبشروهم يدخلون بأفكارهم وآرائهم المخربة المستوردة في المجتمع المصري بعد أن أجازوها على الأزهر وعلمائه باسم الاجتهاد وتحت امتيازاته….
(1) في محاضرات في الفقه المقارن ص7-8.