الصفحة 308 من 374

إذا استبان ما سبق أيمكن لنا أن نترك ما كان عليه أهل الإسلام في ذروة عزّتهم وخضوع ملكوت الأرض لهم، وبنائهم أضخم الحضارات التاريخية؛ لنأخذ بحكم المعاصرين في زمن أصبح المسلمون فيه من أرذل الأمم وأقلها شأنًا حتى أنهم صاروا حريصين على متابعة أعدائهم في كل حياتهم أكثر من حرصهم على اتباع دينهم، ووصل بهم الأمر إلى ترجيح كل ما يوافق ذوق الغرب؛ لما أصيبوا به من الهزيمة النفسية أمام هذه المدنية الغربية.

وهانحن نسير على هذا النهج منذ نصف قرن ماذا زاد علينا سوى بعد الناس عن الدين وازدياد التخبط والجهل، وضعف المناهج الشرعية المدرّسة، والارتباك العجيب في كلّ مسألة مستجدة تقع للمسلمين.

أما مَن حافظوا على سير الفقه كما هو عليه منذ القديم في كثير من البلاد الإسلامية فإنهم ما زالوا ينعمون بالاستقرار الفكري والفقهي، وشدة تمسّك الناس بإسلامهم وحرصهم على تطبيقه في حياتهم، بالإضافة إلى سهولة تخريج كلّ ما يجد من مسائل تقع للناس بلا تكلف ولا هوى؛ لأن الأصول والفروع التي يستنبط منها متوافرة في مذهبه، فما عليه إلا أن يقيس عليها، كما أنها تمنع أي متلاعب لظهورها ووضوحها للملأ.

وأختم الحديث على هاتين الشبهتين بكلام لطيف للعلامة محمود سعيد ممدوح (1) إذ يقول: (( انقطعت سبل العلم بعد أن أقصي شرع الله عن الحياة، وذهب الحارس القوي الأمين على دين الله تعالى، وتغيرت مناهج التعلم وطرقه، وتبدل حال المعاهد الإسلامية التي أخرجت أئمة الدين في قرون متطاولة كالحرمين الشريفين، والقرويين، والأزهر الشريف، والزيتونة، ومعاهد الفاتح، ومدارس الرافدين وبلاد الشام، وأربطة اليمن، ونُكِّل بالمدارس الشرعية التي ازدهرت بها المدن الإسلامية لقرون طويلة، وحيل بينها وبين أوقافها، فأصبحت المباني تبكي أوقافها، وتشتاق لحلقات دروسها.

(1) في التعريف بأوهام من قسم السنن إلى صحيح وضعيف ص10-11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت