فهرس الكتاب
مرّ معنا أنه بعد محنة الإمام الشافعي - رضي الله عنه - في العراق وبراءته مما وجه إليه من التهمة أُلهم التفقه عند محمد بن الحسن حتى اتصل به ولازمه ملازمة كلية واستنسخ مصنفاته بصرف نحو ستين دينار وانصرف إلى التفقه عنده انصرافًا تامًا إلى أن سمع منه حمل بختي من الكتب ليس عليها إلا سماعه، واخذ يعتلي شأنه وأصبحت هذه المحنة منحة كبرى في حقّه؛ لكونها مبدأ اعتلاء قدره.
ومما كتبه إليه في أول قدومه يستبطئ إعارة كتاب كان طلبه من محمد بن الحسن- رضي الله عنه:
ن من رآه مثله
قل للذي لم ترعيـ
ه قد راى من قبله
حتى كان من رآ
أن يمنعوا أهله
العلم ينهى أهله
لأهله لعله
لعله يبذله
فوجه به إليه في الحال هدية لا عارية (1) .
وكان إعجاب الشافعي - رضي الله عنه - بشيخه محمد أيما إعجاب حتى قال فيه: (( لو أنصف الفقهاء لعلموا أنهم لم يروا مثل محمد بن الحسن، ما جالست فقيهًا قط أفقه منه، ولا فتق لساني بالفقه مثله، لقد كان يحسن من الفقه وأسبابه شيئًا يعجز عنه الأكابر ) )، وقال: (( ما رأت عيناي مثل محمد بن الحسن، ولم تلد النساء في زمانه مثله ) ) (2) .
وكتب محمد بن الحسن لا بدّ أن يكون لها الأثر الأكبر في تدوين الشافعي لفقهه الذي كتبه بنفسه؛ إذ أنه (( جزأ الليل ثلاثة أجزاء: الأول يكتب، والثاني: يصلي، والثالث: ينام ) ) (3) .
وكان بدء تصنيفه الكتب التي يعرض فيها مذهبه في الفروع والأصول مع بدء زيارته الثانية إلى بغداد سنة (195هـ) ، وتسمّى بالمصنفات العراقية، أو الكتب القديمة،
وهي تمثل ما عرف بالمذهب القديم له.
وفي سنة (200هـ) بعد انصرافه إلى مصر بدأ بتأليف مصنفاته المصرية، المسمّاة بالكتب الجديدة، وهي تمثل ما عرف بالمذهب الجديد له.
(1) ينظر: بلوغ الأماني ص20-21، وغيره.
(2) ينظر: المدخل إلى مذهب الإمام الشافعي ص168، وغيره.
(3) ينظر: المصدر السابق ص199، وغيره.