وليس من الإنصاف أن ننظر إلى الفقه على أنه وجهات نظر، يحقّ لنا أخذ ما شئنا منه ونترك ما شئنا بغير حجة؛ لأن هذا فتح لباب التلاعب والمزاجية في الشريعة، فمن متى كان الفقهاء مشرعين؛ إذ من المعلوم أن المشرع هو الله تعالى فقط، والفقهاء عبارة عن مبينين لحكم الله - جل جلاله - ومراده لا غير، فكل منهم يجتهد لتحقيق ذلك بقدر وسعه، أما اعتبار الفقه أقوال رجال، وكل مسألة لا يوجد فيها آية أو حديث صريح نعتبرها مجرد قول لا قيمة له ، فهذا عجيب ؛ لأن جلّ المسائل الفقهية مأخوذة من عمومات القرآن والسنة وآثار الصحابة - رضي الله عنهم -، وليس بشرط أن يوجد نصّ في كل منها، ولو كان نص في كل مسألة لما احتجنا للفقه، ولكنا مكتفيين بالأحاديث فقط، ولا عاقل يقول بذلك؛ لأن الأحاديث محدودة جدًا والمسائل الفقهية غير متناهية.
وهذا المذكور من الظلم وعدم الإنصاف الواقع على علمائنا وفقهائنا وأئمتنا غيض من فيض، وقد نبهت على كثير منه في هذا الكتاب، وليس لي مقصد من هذه الدراسة إلا مخاطبة العقول النابغة والقلوب الحية في إقرار الحقّ، وإنزال الفقه وأهله منزلته المرموقة.
وسيجد القارئ الكريم ما يشفي وما يروي في فهم التسلسل التاريخي للفقه كما فهمه أهله السابقون واللاحقون، وسيتضح له التدرج المرحلي الذي مرّ به الفقه إلى أن بني منه هذا الصرح العظيم الذي نباهي به الدنيا، فنجد أن أهل القانون في المؤتمرات الدولية يعترفون بمكانته، ويقرون باعتباره أحد المصادر في استقاء القوانين في دولهم.
كما أنه سيعلم الأسباب التي أدت بالأمة إلى تقليد المذاهب الأربعة دون سواها وأن هذا كان من حفظ لله تعالى لدينه من التحريف والتبديل كما صرّح بذلك جمع من الفضلاء، وستقف على الأهمية لهذا التقليد مع الحجج والبراهين الساطعة عليه.