أما ما ورد عنهم من النهي عن الرأي كقول أبي بكر - رضي الله عنه - عندما سئل عن آية من كتاب الله - جل جلاله - قال: أية أرض تقلني أو أية سماء تظلني أو أين أذهب وكيف أصنع إذا أنا قلت في آية من كتاب الله بغير ما أراد الله بها (1) ، وفي لفظ: إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم (2) ، وفي لفظ: إذا قلت في كتاب الله برأيي (3) .
وقول عمر - رضي الله عنه: إيّاكم وأصحاب الرأي، فإنّهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا (4) .
وقول ابن مسعود - رضي الله عنه: لا يأتي عليكم عام إلا والذي بعده شرّ منه، لا أعني عامًا أخصب من عام ، ولا أمطر من عام ، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ، ثم يحدث قوم
يقيسون الأمور برأيهم، فيهدم الإسلام وينثلم (5) .
وقول علي - رضي الله عنه: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه (6) .
فإنّه إن صحّ عنهم ما نسب إليهم من هذه الأقوال، فإنها محمولة على الرأي المذموم المخالف للدين القائم على الهوى دون استناد لنص وأصل وفهم شرعيّ للنصوص، بخلاف الرأي الممدوح المبيِّن لمراد الله - جل جلاله - في شرعه الكريم، ويؤيّد ذلك ما سبق ذكره مما ثبت عنهم من قولهم بالرأي وتشجيعهم عليه، وبذلك لا معارضة بين هذه الأقوال وتلك.
(1) في سنن سعيد بن منصور 1: 168،.
(2) في مصنف ابن أبي شيبة 6: 136.
(3) في شعب الإيمان 2: 424. قال الرازي في الفصول في الأصول 4: 62: إنما مراده منع الاجتهاد مع وجود النص أو دليله.
(4) في سنن الدارقطني 4: 146، واعتقاد أهل السنة 1: 123.
(5) في السنن الواردة في الفتن 3: 517، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 180: رواه الطبراني في الكبير، وفي مجالد بن سعيد وقد اختلط.
(6) في سنن البيهقي الكبير 1: 292، وتأويل مختلف الحديث 1: 20.