ويدل على أن عمر - رضي الله عنه - إنما أراد من قال بالرأي قبل حفظ الأصول من الكتاب والسنة والإجماع قوله: إياكم وأصحاب الرأي , فإنهم أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها, فقالوا بالرأي. فخص بالذم من ترك أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحفظها وأقدم على القول بالرأي قبل العلم بها (1) .
وأن عليًا - رضي الله عنه - إنما أراد أن أصول الشريعة لم تثبت من طريق القياس, وإنّما طريقها التوقيف، وغير جائز استعمال القياس في رد التوقيف, فكان القياس أن يكون باطن الخف أولى بالمسح؛ لأنه يلاقي الأرض بما عليها من طين, وتراب, وقذر ولا يلاقيها ظاهره إلا أنه لم يستعمل القياس؛ لأنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح ظاهر الخف دون باطنه, فهذا يدلّ على أنه كان مراده نفي القياس مع النصّ (2) .
الرابع: حرصهم على المشاورة في الأحكام الشرعية، إدراكًا منهم للفهم الصواب للمسألة، ولئلا يكون فيها نصٌّ خفي عن بعضهم.
روى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن أبا بكر - رضي الله عنه - كان إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي والفقه دعا رجالًا من المهاجرين والأنصار، دعا عمر وعثمان وعليًا وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - فمضى أبو بكر - رضي الله عنه - على ذلك، ثم ولي عمر - رضي الله عنه - فكان يدعو هؤلاء النفر (3) .
وقال الشعبي - رضي الله عنه: من سرّه أن يأخذ بالوثيقة في القضاء فليأخذ بقضاء عمر - رضي الله عنه - فإنه كان يستشير (4) . ومن أمثلة ذلك:
(1) ينظر: الفصول في الأصول 4: 64-65، وغيره.
(2) ينظر: الفصول في الأصول 4: 63، وغيره.
(3) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص21، وغيره.
(4) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص20، وغيره.