الصفحة 85 من 374

ولا أنكر أن هناك أناسًا من الرواة الصالحين، يخصون أبا حنيفة، وأصحابه بالوقيعة من بين الفقهاء، وذلك حيث لا ينتبهون إلى العلل القادحة في الأخبار، التي تركها أبو حنيفة، وأصحابه، فيظنون بهم أنهم تركوا الحديث إلى الرأي، وكثيرًا ما يعلو على مداركهم وجه استنباط هؤلاء، الحكم من الدليل؛ لدقة مداركهم، وجمود قرائح النقَلة، فيطعنون في الفقهاء أنهم تركوا الحديث إلى الرأي، فهذا النبز منهم لا يؤذي سوى أنفسهم )) (1) .

ثانيًا: أبرز الأمصار العلمية:

أشرنا سابقًا أن الصحابة انتشروا في البلاد التي فتحوها يعلمون الناس ما تعلموه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويفتون لهم فيما ينزل لهم من حوادث، حتى انطبع أهل كلِّ بلد بفقه مَن عاش بين أظهرهم من الصحابة - رضي الله عنهم -؛ فعمر - رضي الله عنه - كان يبعث لكل مصر يفتتح عددًا من الصحابة الفقهاء؛ ليفقهوا أهله في الدين كما سيأتي، وكان تكوّن نواة المدارس الفقهية بهؤلاء الصحابة وتلاميذهم الذين ساروا على نهجهم في الفتوى، وإليك تفصيل لمشاهير الأمصار وأشهر الصحابة - رضي الله عنهم - الذي استقروا فيها وأشهر تلاميذهم:

الأولى: الكوفة

نالت الكوفة منزلة رفيعة في علوم الاجتهاد من بين الأمصار الإسلامية، الأمر الذي أهَّلها إلى أن تترأس كثيرًا من العلوم بعد أن ولدت ونشأت فيها كعلم الفقه وعلم اللغة، حتى أصبحت مشرق الفقه الناضج، المتلاطم الأنوار، ويرجع ذلك إلى العناية الفائقة بها من قبل صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتابعيهم المتمثلة فيما يلي:

الطبقة الأولى: الصحابة - رضي الله عنهم:

أنه بعد افتتاح العراق في عهد عمر - رضي الله عنه -، على يد سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -، أمر عمر - رضي الله عنه - ببناء الكوفة، فبنيت سنة 17 هـ، وأسكن حولها الفصّح من قبائل العرب (2) .

(1) مقدمة نصب الراية ص286-288.

(2) مقدمة نصب الراية ص301.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت