كما أنَّ القتال يلزمُ منه ردُّ العدوِّ، وانتقامه، ومحاولة النيل من المسلمين، وحصول شيءٍ من مآربه هذه له ولا محالة، وقد سبى المشركون في أحدٍ امرأة من المسلمين، فهذه المفاسد لا يُعطَّل الجهاد لها، لأنَّها لم تخرج عن المعتاد في مثله، وهي ملازمةٌ لكل قتال وجهادٍ.
وهذا مطّردٌ في سائر الأحكام، فالزَّكاة يُدفع فيها المال الكثيرُ، ولا تكون كثرتُه مسقطةً لها، ولو أنَّ رجلًا ثريًّا احتاج الماء لطهارة الصَّلاة، فلم يحصل له إلاَّ بأكثر من ثمن المثل، لم يجب عليه أن يشتريه وجاز له التيمّم، وإن كان يدفع في الزَّكاة أضعاف أضعافِ ثمن المال، وهكذا.
ثالثًا: أنَّ المفسدة التي يُفضي اعتبارها إلى تعطيل شعيرةٍ من شعائر الدين لاغيةٌ.
وأمَّا القاعدة الثالثة: فإنَّ الاستدلال بالمفسدة على إلغاء حكمٍ من الأحكام، إن أريد به إلغاؤه لمدةٍ قليلةٍ، أو في مكانٍ دون مكانٍ، صحَّ، بخلاف ما إذا أُريد به تعطيل أصل الحكم، كما يفعل من يريد تعطيل الجهاد، فيستدلُّ بشيءٍ من أدلّتهم المعروفة، والتي لو طُردت لأغلق باب شعيرة الجهاد بالكلِّيَّة.
رابعًا: أنَّ الضرر الخاص يحتمل لدفع الضرر العام.
والقاعدة الرابعةُ: تفيد احتمال ضرر قتل التُّرس مثلًا لدفع الضرر عن عموم المسلمين، كما تفيد احتمال وقوع شيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمراتِ في شيءٍ من بلاد الإسلام، لدفع الضرر عن عامَّة بلاد المسلمين.
خامسًا: أنَّ النَّاظر في المصالح والمفاسد في أمر يكون نظره فيه لكل من يناله هذا الأمر من المسلمين.