عندهم رغم تناقضهم وتخبطهم فيها. وحين أقول (في أحكام الجهاد فقط) فإنني أعني ما أقول إذ لولا هذا القيد لشابهوا جماعة التكفير والهجرة التي تعمم حكم المكية في غير الجهاد من الشرائع فنكاح المشركات حلال! وذبائحهم لا تحرم! كما هو الحال في العهد المكي! إلى غير ذلك مما يعلم بطلانه أدنى من له معرفة بأحكام الشرع.
فأصحاب هذه الفكرة بين أمرين أحلاهما مر: إما تعميم حكم المكية في بقية الشرائع غير الجهاد وهذا ما لا يقولون به ولا يجرؤون عليه لظهور بطلانه، أو استثناء الجهاد من بقية الشرائع فيقعون في التناقض من جهة التفريق بين المتماثلات، وخذ مثالًا على ذلك حكم الخمر فقد كان تشريعه متدرجًا حيث وصف بأن فيه إثمًا كبيرًا من غير تحريم ثم حرم شربه وقت الصلاة ثم حرم مطلقا، وقد كان هذا التدرج لحكم أرادها الله سبحانه ومع ذلك فإن أحدًا لا يقول بإمكانية تطبيق هذا التدرج في هذا العصر والسبب في ذلك أن حكم الخمر محكم ومقرر بالنص ولا يقبل الاجتهاد وكذلك حكم الجهاد ومراحل تشريعه التي استقرت لا تقبل الاجتهاد المعارض للنص كما هو اجتهاد دعاة التربية والتصفية.
بقي أن نقول إن ثمة جانبًا مؤثرًا في باب الجهاد قد يشتبه بأمر التدرج في مراحل تشريع الجهاد وهو جانب القوة والضعف فلهما تأثير في أحكام الجهاد من جهة الثبوت والسقوط، فمن الجهاد ما يسقط بالعجز ومنه ما يدخل فيه تقدير المصالح والمفاسد مما يحتاج إلى تفصيل في غير هذا الموضع لكن المهم تقريره الآن هو أن هذا الجانب يختلف جذريا عما نحن بصدده وآثاره تختلف عن هذا الجانب والخلط بينهما يورث أخطاء تطبيقية كثيرة لا يسلم منها إلا من عصمه الله وهداه للحق. [1]
للاستزادة، راجع:
مراحل تشريع الجهاد، نسخ اللاحق منها للسابق، عبد الآخر حماد الغنيمي.
[1] [أباطيل وأسمار - أبو عبد الله السعدي - مجلة صوت الجهاد - العدد الثالث]