الدولة الحميرية ووطدوا سلطانهم في اليمن. وقد اضطهدوا بدورهم اليهود اليهودية وأخذوا يدعون العرب إلى النصرانية وينشئون الكنائس في اليمن وقد أنشئوا كنيسة كبرى سمتها الكتب العربية باسم القليس. غير أن العرب لم يستجيبوا إلى الدعوة وظلوا متعلقين بتقاليدهم وبالحج إلى الكعبة في الحجاز حتى أن بعضهم نجّس القليس فغضب الأحباش وأرادوا أن يخضعوا الحجاز لحكمهم ويهدموا الكعبة التي يتعلق بها العرب فجاءوا بحملة كبيرة فلما وصلت قرب مكة شرد أهل مكة إلى الجبال لأنهم رأوا أن لا طاقة لهم بها. ولكن اللّه حبس الفيل الكبير الذي كان في طليعة الحملة عن مكة فتوقفت الحملة ، فسلط اللّه عليها جماعات كثيرة من الطيور تحمل بمناقيرها حجارة صغيرة من طين متحجر وأخذت ترمي بالحجارة على الأحباش فلا يكاد الحجر يصيب جسم الحبشي حتى يتهرأ. وقد تمزق شمل الحملة نتيجة لذلك ونجا الحجاز والكعبة. وقد كان لهذا الحادث ونتيجته ردّ فعل عظيم في بلاد العرب حتى صاروا يؤرخون أحداثهم بعام الفيل. وقد روي فيما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولد في هذا العام كما روي أن الحادث كان قبل ولادته بمدة تراوحت بين ثلاث عشرة سنة وأربعين سنة على اختلاف الروايات ، ومما ذكرته الروايات أن عربيا اسمه أبو رغال صار دليلا للحملة فمات في مكان اسمه المغمس فصار العرب يرجمون قبره استنكارا لخيانته لقومه وظلوا على ذلك دهرا.
وأسلوب الآيات ومضمونها يدلان أولا على أن الحادث كان لا يزال صداه يتردد على الألسنة في بيئة النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما نزلت السورة. وثانيا على أن العرب كانوا يعتقدون أن البلاء الذي وقع على الأحباش وهرّأ أجسامهم ومزق شملهم هو بلاء رباني. وثالثا على أن القصد من التذكير بالحادث الذي كان قريب العهد ، وكان مالئا للأذهان هو الموعظة ودعوة السامعين أو زعماء قريش إلى الارعواء عن مواقف الأذى والجحود التي يقفونها. فاللّه الذي كان من قدرته أن يصب بلاءه على الأحباش ويمزقهم شرّ ممزق مع ما هم عليه من شدة البأس قادر على أن يصب بلاءه عليهم ويمزقهم. وهم يعرفون ذلك فعليهم أن يرعووا ويحذروا ويتركوا الأذى والعناد.
وهكذا يتسق الأسلوب والهدف القرآني في هذه القصة اتساقهما في القصص القرآنية عامة ، على ما شرحنا قبل ، أما ماهية الطير والحجارة فقد ذكر المفسرون القدماء في صددها أقوالا تجعل الحادث في نطاق المعجزات والخوارق. ورووا فيما رووه أن مرضي الحصبة والجدري ظهرا لأول مرة في الحجاز عقب الحادث كأنما يريدون أن يقولوا إن الطير رمتهم بحجارة أصيبوا منها بأحد المرضين. وقد أوّل الإمام الشيخ محمد عبده ذلك بأن الحجارة كانت ملقحة بجرثومة الجدري. ولسنا نرى كبير طائل في تحقيق ماهية الحادث لذاته لأنه خارج عن نطاق الهدف القرآني. ولكنا نقول إن حرفية آيات السورة وظاهرها على كل حال في جانب كون