الحادث بلاء ربانيا خارقا كما أن أسلوبها يساعد على القول إنها في صدد التذكير بحادث عظيم ، وإن سامعي القرآن الذين كانوا حديثي عهد بالحادث كانوا يعتقدون أن الذي وقع على الأحباش هو بلاء رباني خارق في صورة زحوف من الطير كانت ترميهم بحجارة من سجيل.
هذا ، ولقد أسهب المفسرون المطولون في صور الحادث وأوردوا روايات عديدة عن ماهية الطير والحجارة وأشكالها وكيفية رميها والإصابات التي كانت تحدثها ومقابلة عبد المطلب جد النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبرهة قبل الحادث وما دار بينه وبينه في صدد مواشي أهل مكة والكعبة ، وأوردوا فيما أوردوه أن ابن عباس قال: إنه رأى من حجارة الطير قفيزا عند أم هانئ رضي اللّه عنها عمة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهي مخططة بحمرة وأن عائشة رضي اللّه عنها قالت إنها رأت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين ... إلخ ومع أن هذا الإسهاب لا يدخل في غرض التفسير وأن الروايات تتحمل الشك والتوقف ، فإن هذا وذاك يدلان على أن العرب في بيئة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يتداولون أخبار الحادث العظيم ومشاهده. [1]
فيما يحدث به التاريخ ، وتتوارد عليه الأخبار الصحيحة ، تلك الحادثة التي تسمى حادثة الفيل ، والتي أرخ بها العرب الجاهليون ، كما كانوا يؤرخون بالأحداث العظيمة ، التي تقع لهم في مسيرة حياتهم .. فاتخذوا عام الفيل مبدأ لمرحلة من مراحل التاريخ عندهم ..
وحادثة الفيل ـ كما تروى كتب التاريخ والسير ـ كانت عام ميلاد النبي - صلى الله عليه وسلم - .. وأن مسرحها كان مكة ، البلد الحرام ، وأن مقصدها كان هدم الكعبة والبيت الحرام! قيل إن قائدا حبشيا اسمه « أبرهة » ، كان قد غلب على اليمن ، ثم رأى تعظيم العرب للكعبة ، وإقبالهم عليها ، وتمسحهم بها ، فأراد أن يجعل وجهة العرب إليه ، فبنى بنيّة ، أراد بها أن يحج العرب إليها ، وأن ينصرفوا عن الكعبة .. فلما لم يجد منهم استجابة لدعوته ، ولا التفاتا إلى بنيته ، قرر أن يهدم الكعبة ، ويزيل معالمها ، حتى لا يكون للعرب متجه إليها ، فيخلو بذلك وجههم لهذه البنية التي بناها .. فسار يجيش كثيف ، يتقدمه فيل عظيم ، كان عدة له من عدد الحرب التي يرهب بها أعداءه .. فلما سمعت قريش بمقدم أبرهة بهذا الفيل الذي يتهددهم به ، فزعت ، وهالها الأمر ..
قالوا: ونزل أبرهة بجيشه وفيله بمكان اسمه « المغلّس » على مشارف مكة ، وحط رحاله هناك ، استعدادا لدخول مكة ، وهدم الكعبة ..
ثم إنه استدعى إليه صاحب كلمة قريش يومئذ ، وكان عبد المطلب بن هاشم ، جدّ النبي .. فجاء إليه ، فكلمه أبرهة فيما جاء له ، وأنه لا يريد شرا بالناس ، وإنما جاء ليهدم الكعبة ، فإن أخلت
(1) - التفسير الحديث لدروزة- موافق للمطبوع - (2 / 41)