فهرس الكتاب
أنه بين يدي الخالق فتراه يسبح بفكره ويسرح طرفه ويتحرك ويعبث بأطرافه ولا يعرف عدد ما يصلى ، تلك صلاة بعض الناس الذين يكذبون بيوم الدين وهي بلا شك لا تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وقد سها أصحابها عن ذكر اللّه وهم لذلك يراءون الناس ويذكرونهم ويفعلون لهم ولا يفعلون للّه ، وهم لشدة الشح وكثرة البخل يمنعون الماعون! أرأيت من يكذب بالدين ؟ هو الذي يشتد على اليتيم ، ولا يعطى حقوق المساكين وهو غافل عن صلاته مراء للناس في عمله ، ومانع خيره عن غيره ، فالويل ثم الويل لهؤلاء ، إن صاموا وإن صلوا. [1]
التفسير والبيان:
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ أي أأبصرت يا محمد الذي يكذب بالحساب والجزاء ؟ أو بالمعاد والجزاء والثواب. وقوله: أَرَأَيْتَ وإن كان في صورة استفهام ، لكن الغرض بمثله المبالغة في التعجب. وهذا مثال آخر لكون الإنسان في خسر.
فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ، وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ أي هو الذي يدفع اليتيم عن حقه دفعا شديدا ، ويزجره زجرا عنيفا ، ويظلمه حقه ولا يحسن إليه ، وقد كان عرب الجاهلية لا يورّثون النساء والصبيان.
ولا يحث نفسه ولا أهله ولا غيرهم على إطعام المسكين المحتاج ، بخلا بالمال ، كما قال تعالى: كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ، وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ [الفجر 89/ 17- 18] أي الفقير الذي لا يملك شيئا ، أو لا يجد كفايته.
فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ أي فخزي وعذاب للمنافقين الذي يؤدون الصلاة أحيانا تظاهرا ، والذين هم غافلون عنها ، غير مبالين بها ، لا يرجون بصلاتهم ثوابا إن صلوا ، ولا يخافون عليها عقابا إن تركوا ، فهم عنها غافلون حتى يذهب وقتها ، وإذا كانوا مع المؤمنين صلوا رياء ، وإذا لم يكونوا معهم لم يصلوا.
ولم يقل: في صلاتهم ساهون لأن السهو في أثناء الصلاة مغتفر معفو عنه لأنه غير اختياري ، وإنما قال: عن صلاتهم ساهون بتأخيرها عن وقتها رأسا ، أو فعلها مع قلة مبالاة بها ، كقوله: وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى ، يُراؤُنَ النَّاسَ [النساء 4/ 142] . ويجوز أن يطلق لفظ « المصلين » على تاركي الصلاة ، بناء على أنهم من جملة المكلفين بالصلاة.
الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ أي إن أولئك الساهين عن صلاتهم هم الذين يراءون الناس بصلاتهم إن صلوا ، أو يراءون الناس بكل ما عملوا من أعمال البر ، ليثنوا عليهم. قال الزمخشري: المراءاة: هي مفاعلة من الإراءة لأن المرائي يري الناس عمله ، وهم يرونه الثناء عليه ، والإعجاب به.
(1) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (3 / 908)