الصفحة 1065 من 1282

المعني بهذه الآيات أولًا وبالذات المنافقون في عهد النبوة ، ويدخل فيها ثانيًا وبالعرض كل من وجد فيهم تلك الخلال الذميمة اعتبارًا بالعموم ؛ فالسورة مدنية ونظيرها في المنافقين قوله تعالى: { وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلًا } [ النساء: 142 ] ، ولذا قال ابن عباس فيما رواه ابن جرير: هم المنافقون كانوا يراؤون الناس بصلاتهم إذا حضروا ، ويتركونها إذا غابوا ، ويمنعونهم العارية بغضًا لهم ، وهو الماعون [1]

في الآيات الثلاث الأولى:

1 -سؤال تنديدي موجه للسامع عن ذلك الذي يكذب بالحساب والجزاء الأخرويين.

2 -وتقرير بمثابة الجواب بأنه هو الذي لا تأخذه الشفقة على اليتيم فينتهره ويدفعه بشدة والذي لا تأخذه الرأفة بالمسكين فلا يطعمه ولا يحض غيره على إطعامه.

وفي الآيات الأربع التالية:

إنذار وسوء دعاء على الذين يصلون وقلوبهم لاهية عما هم فيه. والذين يصدرون في عبادتهم وأعمالهم أمام اللّه والناس عن رياء وخداع. والذين يمنعون عونهم وبرّهم أو ماعونهم عن المحتاجين إليه.

وقد روي أن السورة جميعها مدنية كما روي أن الآيات الثلاث الأخيرة فقط هي المدنية ، وطابع الآيات الأربع الأولى مكي ، وقد تكررت ألفاظها ومعانيها في السور المكية كثيرا وفيما سبق من السور وقد روي أنها نزلت في أبي جهل حيث كان وصيا على يتيم فسأله شيئا من ماله فدفعه ولم يعبأ به ، كما روي أنها نزلت في أبي سفيان الذي كان ينحر في الأسبوع جزورين فأتاه يتيم فسأله لحما فقرعه بالعصا . أما الآيات الثلاث الأخيرة فإن الصورة التي انطوت فيها قد تكون مدنية من الوجهة الزمنية ، لأن صورة المسلم المتظاهر بالإسلام واللاهي عن الصلاة ، هي صورة من صور المنافقين في المدينة الذين وصفوا في القرآن المدني بهذه الصفة كما جاء في آية سورة النساء هذه: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) .

غير أن الآيات من جهة أخرى متسقة في الوزن ومنسجمة مع الآيات السابقة لها كما هو ظاهر. وحرف الفاء في بدء الآية الرابعة قد يسوغ القول إن الآيات الثلاث جاءت معقبة على الآيات الأربع السابقة لها.

وعلى هذا فإما أن يكون التنديد في الآيات الثلاث الأخيرة تنديدا بالإنسان المرائي في صلاته وعمله ودينه ، المانع معونته عن المحتاج إليها إطلاقا ، ومثل هذا يكون في أي مجتمع وظرف.

(1) - محاسن التأويل تفسير القاسمي - (13 / 329)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت