الصفحة 1070 من 1282

وإذا جاز لإنسان أن يدعّ اليتيم ، ويزعج أمنه ، أو يضن على جائع بلقمة يتبلغ بها ـ وهو غير جائز ، ولا مقبول على أي حال ـ فإنه لا يجوز ولا يقبل أن يكون ذلك من أحد من قريش ، الذين أطعمهم اللّه من جوع ، وآمنهم من خوف ، من بين العرب جميعا ..

إنهم يشهدون ذلك في كل لحظة من لحظات حياتهم: « أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ » (67: العنكبوت) .

وقوله تعالى: « فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ » .مناسبة هذه الآيات لما قبلها ، هى أن الصلاة في حقيقتها نور يضىء ظلام القلوب ، ويجلّى غشاوة النفوس ، لأنها أوثق الصلات التي تصل العبد بربه ، وتقرّبه منه ، وتعرضه لنفحات الرحمة ، فتشيع في كيانه الحب والحنان ، حيث يضفيهما على عباد اللّه ، وخاصة الضعفاء والفقراء ، الذين وصّى اللّه سبحانه وتعالى يهم الأقوياء والأغنياء ، واسترعاهم إياهم.

والصلاة لاتثمر هذا الثمر الطيب ، ولا تؤتى هذا الأكل الكريم ، إلا إذا كانت خالصة للّه ، يشهد فيها المصلّى جلال خالقه ، وعظمة ربه .. وذلك لا يكون حتى تصدق النية ، وتخلص الرغبة ، ويعظم اليقين في لقاء اللّه ، والثقة في أنّ من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.

والذين يسهون عن الصلاة ، أي يغفلون عنها ، ولا يشغلون أنفسهم بها ، وبانتظار أوقاتها ليهيئوا أنفسهم لها ، ويعدوها للقاء اللّه في محرابها ـ هؤلاء ليسوا مصلين في الحقيقة ، وإن ركعوا ، وسجدوا ، لأن صلاتهم تلك إنما تقع عفوا ، وتجىء حسب ما اتفق ، كأن يكونوا في جماعة ، وقد أذّن المؤذن للصلاة ، فيمنعهم الحياء ، أو الخوف من قالة السوء فيهم أن تصلى الجماعة ولا يصلون ، أو أنهم يصلون في الأوقات التي لا يشغلهم فيها شىء ، ولو كان تافها.

أما إذا شغلهم عمل ، أو لهو ، فلا يذكرون الصلاة ، ولا يؤثرونها على ما بين أيديهم من عمل ، أو لهو ، حتى لكأن الصلاة نافلة من نوافل الحياة ، لا قدر لها ولا وزن! فهذا هو السهو ، وهؤلاء هم الساهون عن الصلاة الذين توعدهم اللّه سبحانه وتعالى بالويل ، لأنهم يراءون الناس ، وينافقونهم أو ينافقون أنفسهم بها ، وهم لهذا لا ينتفعون بالصلاة ، فلا يأتمرون منها بمعروف ، ولا ينتهون بها عن منكر ..

وقوله تعالى: « وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ » . الماعون: من العون ، وهو ما يجد فيه الإنسان عونا على ما يلمّ به من حاجة وعوز ..

والمراد بالماعون هنا الزكاة ، لأنها أوسع الأبواب ، وأجداها في إسداء العون ، للفقير ، والمسكين ، وابن السبيل ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت