الصفحة 1071 من 1282

فالويل إنما يتجه الوعيد به هنا ، إلى الذين لا يقيمون الصلاة على وجهها ، ولا يؤدّون الزكاة على تمامها وكمالها ، طيبة بها أنفسهم ، منشرحة بها صدورهم ..

فهم يمنعون الزكاة ما استطاعوا منعها ، ويؤدونها إذا قام عليهم سلطان قاهر ، يرصد أموالهم ، ويستخرج منها زكاتهم ، كما يستخرج رجال الأمن المال المسروق من جيب السارق!! وفى قوله تعالى: « فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ » ـ وفى جعل هاتين الكلمتين آية ذات دلالة مستقلة ، مستوفية أركان الجملة المفيدة من مبتدأ وخبر ـ في هذا إعجاز من إعجاز البلاغة القرآنية ، حيث تهزّ هاتين الكلمتين أقطار النفس ، وتستثير دواعى الفكر ، حين يجد المرء نفسه بين يدى هذه الحقيقة الغريبة المذهلة:

« ويل للمصلين » !! وكيف يكون الويل للمصلين ، والصلاة عماد الدين ، وركنه المتين ، وعليها يقوم بناؤه ، وبها تشتد أركانه ، وتثبت دعائمة ؟ أهذا ممكن أن يكون ؟ ويجىء الجواب نعم! وكيف ؟ إنها صلاة الساهين عنها ، المستخفين بها ، الذين يأتونها رياء ونفاقا .. وإن الذين لا يؤدون الصلاة أصلا ، ممن يؤمنون باللّه ، لهم أحسن حالا ، من هؤلاء المصلين المرائين ، لأن الذين لا يؤدونها أصلا ، لم يتعاملوا بالصلاة بعد ، ولم يزنوها بهذا الميزان البخس ، ولو أنهم صلّوا فقد يقيمونها على ميزان يعرف قدرها ، ويبين عن جلالها ، وعظمة شأنها .. أما الذي يصلى ساهيا عن الصلاة متغافلا عنها ، مستخفّا بها ـ فقد بان قدر الصلاة عنده ووزنها في مشاعره .. وهو قدر هزبل ، ووزن لا وزن له ، ومن هنا كان جزاؤه هذا الوعيد بالويل والعذاب الشديد .. [1]

إنها تبدأ بهذا الاستفهام الذي يوجه كل من تتأتى منه الرؤية ليرى: { أرأيت الذي يكذب بالدين؟ } وينتظر من يسمع هذا الاستفهام ليرى أين تتجه الإشارة وإلى من تتجه؟ ومن هو هذا الذي يكذب بالدين ، والذي يقرر القرآن أنه يكذب بالدين .. وإذا الجواب: { فذلك الذي يدع اليتيم . ولا يحض على طعام المسكين } !

وقد تكون هذه مفاجأة بالقياس إلى تعريف الإيمان التقليدي . . ولكن هذا هو لباب الأمر وحقيقته . . إن الذي يكذب بالدين هو الذي يدفع اليتيم دفعًا بعنف أي الذي يهين اليتيم ويؤذيه . والذي لا يحض على طعام المسكين ولا يوصي برعايته . . فلو صدّق بالدين حقًا ، ولو استقرت حقيقة التصديق في قلبه ما كان ليدع اليتيم ، وما كان ليقعد عن الحض على طعام المسكين .

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1684)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت