فهرس الكتاب
ونحن نميل إلى ترجيح أحد القولين الأخيرين واللّه أعلم. [1]
الكوثر: مبالغة في الكثرة ، والمراد بالكثرة هنا ، الكثرة في العطاء من الخير والإحسان ، والخطاب هنا للنبى صلوات اللّه وسلامه عليه.
والمراد بهذا الخبر هو التنويه بمقام النبىّ الكريم عند ربه جلّ وعلا ، وبرضاه عنه ، ذلك الرضا الذي لا حدود له ، والذي تملأ القطرة منه وجوه الوجود ، بشاشة ، ومسرّة ، وإسعادا ..
وفى إطلاق لفظ الكوثر ، دون قيده بنوع ، أو قدر ـ إشارة إلى تناوله كل ما هو خير ، وبلوغه إلى ما لا يعرف له نهاية أو حدّ ، كما أنه إشارة أخرى إلى أنه خير ، وخير مطلق ، مصفّى من كل شائبة ، خالص من كل كدر .. ذلك أنه عطاء ، والعطاء لا يكون إلا مما هو خير ، وإحسان ، فكيف إذا كان عطاء من يد اللّه سبحانه وتعالى ؟ .. إن صفة هذا العطاء هى من صفات المعطى جلّ وعلا .. فلا تسل بعد هذا ما يكون هذا العطاء! « هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ » . . وإنه لحسب المؤمن إذا دعا ربه أن يقول: « اللهم أعطنى ، ولا تحرمنى » .
.فإذا اللّه دعاءه ، فليسعد السعادة كلها بما أعطى من عطاء ربه! فاللهم أعطنا ولا تحرمنا ، واللهم استجب لنا ولا تردنا ، فأنت خير من أعطى ، وأكرم من سئل ..
ولعلك تسأل: وماذا أعطى النبي الكريم ؟ .
لقد أعطى اللّه سبحانه وتعالى النبي الكريم خير ما أعطى عبدا من عباده ..وحسبه أنه خاتم النبيين ، وحسبه القرآن الذي كمل به دين اللّه ، وتمت به شريعته ، وحسبه الدعوة التي قام عليها ، وبلغ بها غايتها ، وأقام بها دين اللّه في الأرض ، وغرس مغارسه في مشارقها ومغاربها .. وحسبه أن رفع اللّه تعالى ذكره في العالمين إلى يوم الدين. وحسبه أن أسرى به مولاه إلى السموات العلا ، واستضافه في الملأ الأعلى ، وأراه من آيات ربه الكبرى .. « أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ، وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ، وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ » ..
« أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ، وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى » .. « وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا » (113: النساء) .. « وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » ..هذا بعض ما أعطى اللّه سبحانه نبيّه الكريم ، وإنّ عطية واحدة من هذه العطايا لنملأ الدنيا كلها خيرا وبركة ، وتسع الناس جميعا سعادة ورضا! وهذا هو ميزان الرسول الكريم عند ربه ، دون الناس جميعا .. وإنه ميزان ليرجح كل ما أعطى الناس من جزيل عطايا اللّه سبحانه وتعالى ومننه ..
(1) - التفسير الحديث لدروزة- موافق للمطبوع - (2 / 11)