الصفحة 1089 من 1282

فكل ما أعطى الناس بعد هذا ، أو قبل هذا ، من مال وبنين ، ومن علم ومعرفة ، ومن هدى ونور ، وكل ما أصابوا من خير مادى أو معنوى ـ هو من بعض هذا الذي أعطى رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه .. فما أعظم هذا الغنى وما أطيبه ، وما أبقاه وأخلده .. « وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى » (131: طه) وهل يلتفت رسول اللّه بعد هذا إلى ما عند الناس مما رزقهم اللّه من مال وبنين ؟ وهل يرى شيئا من حطام الدّنيا يجرى مع هذا الذي أعطاه اللّه ، ويأخذ له مكانا فيه ؟ وهل تشتهى نفس بين يديها مائدة حافلة بطيب الطعام ، وصنوف المآكل ، إلى فتات في مزبلة يتداعى عليها الذباب ؟

وقوله تعالى: « فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ » . الفاء هنا للسببية ، والتعقيب على هذه البشرى المسعدة التي شرح سبحانه وتعالى بها صدر النبي الكريم ، وملأ قلبه بها سعادة ورضا .. وإذن فليشكر ربّه ، وليسبح بحمده ، عرفانا بهذا العطاء الجزيل ، وتقديرا لقدره ..

والصلاة ، هى أفضل القربات إلى اللّه ، وأعظم وسائل الزّلفى إليه ، والولاء له .. واللام في قوله تعالى: « لربك » لام الملكية ، أي صل الصلاة للّه وحده ، واجعلها خالصة له سبحانه ، لا يدخل عليها شىء من الغفلة ، أو الاشتغال بغير اللّه ..وقوله تعالى: « وانحر » أي أطعم الفقراء والمساكين .. فهذا من الزكاة التي هى أخت الصلاة ..وقد اختلف المفسرون في هذه الصلاة: أهي صلاة عيد الأضحى ، أم هى الصلاة على إطلاقها .. وكذلك اختلفوا في النحر ، وهل هو ما ينحر من الأضاحى ، يوم عيد النحر ، بعد الصلاة ، أم هو النحر إطلاقا ؟ والأولى عندنا أن تكون الصلاة مطلقة ، لا يراد بها صلاة عيد الأضحى ، بل المراد بالأمر بها المداومة عليها ولو كانت صلاة عيد الأضحى ، لخفّ في مقابلها وزن هذا العطاء الجزيل الذي أعطاه اللّه نبيه ، في قوله تعالى: « إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ » .

.فصلاة عيد الأضحى ركعتان لا غير في كل عام .. ثم إن صلاة العيد هذه ليست فرضا ، وإنما هى سنة!! فهل هاتان الركعتان تتوازنان مع هذا العطاء الجزيل ، وهل يقومان بواجب الشكر عليه ؟

فالمراد بالصلاة إذن هى الصلاة مطلقة في فرائضها ، وسننها .. ونوافلها ..

وهى صلاة تكاد تكون مستغرقة معظم الأيام والليالى مدى العمر .. وهذا ما يمكن أن يكون في مقام الحمد والشكر على ما أعطى النبي الكريم من ربه ، هذا العطاء الجليل الكثير ، الذي لا حدود له ..

وعلى هذا ، فالقول بأن المراد بالنحر ، هو نحر الأضحية بعد صلاة العيد ،قول متهافت ، وأولى منه أن يراد به مطلق النحر ، وأن يراد بمطلق النحر ، إطعام الفقراء والمساكين ، وأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت