الصفحة 1090 من 1282

يراد بإطعام الفقراء والمساكين الزكاة ، إذ كان من بعضها ما يطعم منه الفقراء والمساكين .. وعبّر عن إطعامهم بما ينحر من ذبائح ، لأن ذلك خير ما يطعمونه إذ كان اللحم هو الطعام الذي يتشهاه الفقراء والمحرمون ، ولا يجدون سبيلا إليه ، وإن وجدوا السبيل إلى لقمة العيش !! وقوله تعالى: « إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ » .

الشانئ: هو المبغض ، والمعادى ، والمتجنب لمن يبغضه ويعاديه ..

والأبتر: المنقطع عن كل خير ، المحروم من كل ما فيه غناء ونقع ..

وشانىء النبىّ ، هو المكذّب له ، الكافر بما يدعو إليه من الإيمان باللّه ، واليوم الآخر ، والعمل الصالح الذي يرضى اللّه ، ويقرّب العبد من رحمته ، فيخلص بهذا من عذاب الآخرة ، وينجو من أهوالها وشدائدها ..

وشانىء النبي ، محروم من كل خير ، منقطع عن موارد الهدى والنور ، فهو إلى ضياع وهلاك ، وإلى عذاب جهنم خالدا فيها أبدا .. إن شانىء النبي ومبغضه مصروف عن الإيمان باللّه ، واليوم الآخر .. وحسبه بهذا هلاكا وضياعا ، وحرمانا من كل خير ..

هذا هو حظ شانىء النبي ومبغضه ، في كل زمان ومكان .. إنه البعد عن كل خير ، والحرمان من كل طيّب ، ثم العذاب الأليم في نار جهنم ..

والروايات التي تحدّث عن أن هذه السورة نزلت في العاص بن وائل ، أو عقبة بن أبى معيط ، أو أبى جهل ، أو أبى لهب ، وأنهم كانوا يعيّرون النبي - صلى الله عليه وسلم - بموت ولديه ، القاسم ، وعبد اللّه ، وأنه لا نسل له غير هما من الذكور ، وأن عقبه قد بتر وانقطع ـ هذه الروايات إن دلت على شىء ، فإنما تدل على أن نزول هذه السورة الكريمة ، كان في هذا الوقت الذي تتحدث به قريش بهذا الحديث المنكر ، وأن ذلك كان مناسبة جاءت في وقتها ، لا أن هذا الحديث كان سببا باعثا لنزولها ، إذ كانت محامل السورة أعظم قدرا ، وأكبر شأنا ، من أن تلتقى مع هذا الحديث عن الولد ، وحفظ النسل به ، وإن كان ذلك مما تعنزّ به قريش ، وتحرص عليه. [1]

والكوثر صيغة من الكثرة . . وهو مطلق غير محدود . يشير إلى عكس المعنى الذي أطلقه هؤلاء السفهاء . . إنا أعطيناك ما هو كثر فائض غزير . غير ممنوع ولا مبتور . . فإذا أراد أحد أن يتتبع هذا الكوثر الذي أعطاه الله لنبيه فهو واجده حيثما نظر أو تصور .

هو واجده في النبوة . في هذا الاتصال بالحق الكبير ، والوجود الكبير . الوجود الذي لا وجود غيره ولا شيء في الحقيقة سواه . وماذا فقد من وجد الله؟

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1690)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت