الصفحة 1106 من 1282

فالآيتان (4 ، 5) تدلان على الاختلاف في العبادة نفسها. ويرى بعضهم كالزمخشري: وما كنت قط في الحال أو في الماضي عابدا ما عبدتم ، يعني لم تعهد مني عبادة صنم في الجاهلية ، فكيف ترجى مني في الإسلام ؟ ! وما عبدتم في وقت ما أنا على عبادته.

وقيل: في الآيات تكرار ، والغرض التأكيد ، لقطع أطماع الكفار عن أن يجيبهم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إلى ما سألوه من عبادته آلهتهم.

لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ أي لكم شرككم أو كفركم ، ولي ديني وهو التوحيد والإخلاص أو الإسلام ، فدينكم الذي هو الإشراك ، لكم لا يتجاوزكم إليّ ، وديني الذي هو التوحيد مقصور علي لا يتجاوزني ، فيحصل لكم. وقيل: الدين: الجزاء ، والمضاف محذوف ، أي لكم جزاء دينكم ، ولي جزاء ديني. وقيل: الدين: العبادة.

وليست السورة منسوخة بآية القتال ، والمحققون على أنه لا نسخ ، بل المراد التهديد ، كقوله تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [فصلت 41/ 40] .

ونظير هذه الآية قوله تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ: لِي عَمَلِي ، وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [يونس 10/ 41] وقوله: لَنا أَعْمالُنا ، وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ [القصص 28/ 55] . والمراد بذلك كله التهديد ، لا الرضا بدين الآخرين.

وقد استدل الإمام أبو عبد اللَّه الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ على أن الكفر كله ملة واحدة ، فورّث اليهود من النصارى وبالعكس إذا كان بينهما نسب أو سبب يتوارث به لأن الأديان ما عدا الإسلام كلها كالشيء الواحد في البطلان. [1]

وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من اليهود وبالعكس ،لحديث عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « لاَ يَتَوَارَثَ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى » [2] . .

قال الرازي: جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ عند المتاركة ، وذلك غير جائز لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به ، بل ليتدبر فيه ، ثم يعمل بموجبه [3] .

ومضات:

ونقل ابن كثير عن الإمام ابن تيمية أن المراد بقوله: { لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } نفي الفعل ، لأنها جملة فعلية { وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ } نفي قبوله لذلك بالكلية ، لأن النفي بالجملة الاسمية آكد ، فكأنه نفى الفعل وكونه قابلًا لذلك ، ومعناه نفي الوقوع ونفي الإمكان الشرعي أيضًا ، وهو قول حسن .واختار الإمام كون { مَّا } في الأوليين موصولة وفيما بعدها مصدرية ، قال: فمفاد

(1) - التفسير المنير ـ موافقا للمطبوع - (30 / 443)

(2) - السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي - (6 / 218) (12591) صحيح

(3) - تفسير الرازي: 32/ 148

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت