كان مما يلقى به المشركون النبىّ لصرفه عن دعوته ـ أن يجمعوا له مالا ، إن كان يريد مالا ، حتى يكون أكثرهم مالا ، وأوسعهم غنى ، أو يقيموه رئيسا عليهم ، إن كان يطمع في الرياسة ، أو يزوجوه أجمل بناتهم ، وأكرمهم نسبا ، إن كان يرغب في ذلك .. فلما لم يلقوا من النبي الكريم إلا تساميا عن هذه المطالب الرخيصة ، وإلا إعراضا عنها ، وأنه لا يتحول عن الدّين الذي يدعو إليه ، ولو وضعوا الشمس في يمينه ، والقمر في يساره! ـ لمّا لم يجدوا استجابة من النبىّ في ترك دعوته ، جاءوه يعرضون عليه أن يخلطوا دينهم بدينه ، وأن يجمعوا بينهما ، فيعبدون هم ما يعبده النبىّ إلى جانب ما يعبدون ويعبد هو ما يعبد المشركون إلى جانب معبوده الذي يعبده فإن كان الذي جاء به خيرا مما معهم شاركوه فيه ، وأخذوا حظهم منه ، وإن كان الذي هم عليه خيرا مما جاء به شاركهم فيه ، وأخذ حظه منه .. وبهذا تنقطع أسباب الشقاق ، والعداوة ، بينهم وبينه ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ » (64: الزمر) ..وهذا من ضلال القوم وسفه أحلامهم ، وسوء معتقدهم .. فإن الحق كلّ لا يتجزأ ، ولا يتبعّض .. فإما أن يكون ما يعبدون حقا ، وإذن فإنّ خلطه بشىء دخيل عليه يغيّر من صورته ، ويفسد حقيقته ، فلا يكون حقا ، ولا يكون باطلا ، وإنما هو حق وباطل معا .. وإما أن يكون باطلا ، وإذن فلم يمسكون به ، ويحرصون عليه ؟ .. وإن في تفريطهم في معتقدهم على هذا الوجه لدليلا على أنه معتقد فاسد ، وأنهم هم أنفسهم لا يجدون فيه ما يقيمهم منه على يقين به ، واطمئنان إليه ، وأنه من السهل الميسور عندهم أن يبيعوه بالثمن البخس لأول عارض يعرض لهم.
فالمخاطبون من قريش هنا هم الكافرون الذين حكم عليهم بالكفر حكما مؤبّدا ، وأنهم لن يؤمنوا أبدا ، ولهذا أخذوا هذا الوضع في سورة خاصة بهم ..
قوله تعالى: « قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ » ..
الكافرون هنا ، هم المشركون من قريش ..
وقوله تعالى: « لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ » أي أنا لا أعبد المعبودات التي تعبدونها. إن لى معبودا لا أعبد سواه ..
وقوله تعالى: « وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ » أي وأنتم لا تعبدون الإله الذي أعبده أنا .. إن لكم آلهة تعبدونها ، غير الإله الذي أعبده ..
فهناك إذن اختلاف بعيد بينى وبينكم ، في ذات المعبود الذي أعبده ، وذوات المعبودات التي تعبدونها. هذا هو حالى وحالكم الآن .. وهذا هو الحكم فيما أعبد ، وفيما تعبدون .. وتلك حقيقة لا خلاف بيننا عليها .. أنا لا أعبد معبوداتكم ، وأنتم لا تعبدون معبودى ..