الصفحة 1118 من 1282

وقوله تعالى: « وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ » ..هو تعقيب على هذا الحكم العام المطلق ، وينبنى عليه: أننى لا أنا عابد ما عبدتم ، في أي حال من أحوالى ، لا حاضرا ولا مستقبلا .. ولا أنتم عابدون في المستقبل الإله الذي أعبده .. فأنا على ما أنا عليه من عبادة الإله الذي أعبده ، لا أتحول عن عبادته ، وأنتم على ما أنتم عليه من عبادة ما تعبدون من معبودات لا تتحولون عن عبادتها ..

وهذا يعنى أن الذين خوطبوا بهذا الخطاب من المشركين ، لم يدخلوا في الإسلام ، ولم يؤمنوا باللّه ، بل ماتوا على شركهم .. وهذا ما يفهم من قوله تعالى: « قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ » ففى وصف المشركين بالكفر إشارة إلى أنهم من الذين استبدّ بهم العناد ، وركبهم الضلال ، فانتقلوا ـ بدعوة النبىّ لهم إلى الإيمان باللّه ـ انتقلوا من الشرك إلى الكفر الصريح ..

يقول الطّبرسى في تفسيره: يريد (أي بالكافرين) قوما معينين ، لأن الألف واللام للعهد ..

والقرآن الكريم ، حين يلقى رءوس المشركين ، ومن غلبت عليه الشّقوة منهم ممن لا يدخلون في دين اللّه أبدا ـ كان يخاطبهم بوصف الكافرين لا المشركين ، ومن ذلك قوله تعالى: « إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا. فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا » (15 ـ 17 الطارق) .. ويقول سبحانه في أحد رءوس هؤلاء المشركين: « أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا » (77 ـ 79 مريم) ..

فهؤلاء المخاطبون بوصف الكفر من المشركين ، قد ماتوا على الكفر ، وسيلقون جزاء الكافرين في الآخرة .. إنهم قبل دعوتهم إلى الإسلام كانوا مشركين ، فلما لم يستجيبوا لهذه الدعوة انتقلوا من الشرك إلى الكفر .. وكذلك أهل الكتاب ، كانوا قبل دعوة النبىّ لهم ضلّالا ، فلما دعاهم وأبوا أن يؤمنوا ، صاروا كفارا.

وقوله تعالى: « لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ » .هو فصل الخطاب ، ومقطع الأمر فيما بين النبىّ ، وهؤلاء الكافرين ..إن لهم دينهم الذي يدينون به ويحاسبون عليه ، وهو له دينه الذي يدين به ، ويلقى ربه عليه. « وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ » (41: يونس) . [1]

نفي بعد نفي . وجزم بعد جزم . وتوكيد بعد توكيد . بكل أساليب النفي والجزم والتوكيد . .

{ قل } . . فهو الأمر الإلهي الحاسم الموحي بأن أمر هذه العقيدة أمر الله وحده . ليس لمحمد فيه شيء . إنما هو الله الآمر الذي لا مرد لأمره ، الحاكم لا راد لحكمه .

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1695)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت