الصفحة 1147 من 1282

وَلَا رَنَّةٍ ، وَلْيَبْدَأْ بِالصَّلَاةِ عَلَيَّ رِجَالُ أَهْلِ بَيْتِي وَنِسَاؤُهُمْ ، ثُمَّ أَنْتُمْ ، ثُمَّ اقْرَأُوا عَنِّي السَّلَامَ كَثِيرًا مَنْ غَابَ مِنْ أَصْحَابِي فَإِنِّي قَدْ سَلَّمْتُ عَلَى مَنْ تَابَعَنِي عَلَى دِينِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"قُلْنَا: فَمَنْ يُدْخِلُكَ فِي قَبْرِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ:"أَهْلِي مَعَ مَلَائِكَةٍ كَثِيرٍ يَرَوْنَكُمْ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ" [1] ومن ذلك عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَنَّهُ قَالَ يَوْمُ الْخَمِيسِ ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ الْحَصْبَاءَ فَقَالَ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَجَعُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَقَالَ « ائْتُونِى بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا » . فَتَنَازَعُوا وَلاَ يَنْبَغِى عِنْدَ نَبِىٍّ تَنَازُعٌ فَقَالُوا هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . قَالَ « دَعُونِى فَالَّذِى أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِى إِلَيْهِ » . وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلاَثٍ « أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ » . وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ . وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ سَأَلْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ . فَقَالَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ . وَقَالَ يَعْقُوبُ وَالْعَرْجُ أَوَّلُ تِهَامَةَ [2] . . [3] "

(1) - الدُّعَاءُ لِلطَّبَرَانِيِّ (1121 ) حسن

(2) - صحيح البخارى (3053 )

قَوْله: ( عَنْ اِبْن عَبَّاس يَوْم الْخَمِيس وَمَا يَوْم الْخَمِيس ) مَعْنَاهُ: تَفْخِيم أَمْره فِي الشِّدَّة وَالْمَكْرُوه فِيمَا يَعْتَقِدهُ اِبْن عَبَّاس ، وَهُوَ اِمْتِنَاع الْكِتَاب ، وَلِهَذَا قَالَ اِبْن عَبَّاس: الرَّزِيَّة كُلّ الرَّزِيَّة مَا حَال بَيْن رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وَبَيْن أَنْ يَكْتُب هَذَا الْكِتَاب ، هَذَا مُرَاد اِبْن عَبَّاس ، وَإِنْ كَانَ الصَّوَاب تَرْك الْكِتَاب كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

قَوْله - صلى الله عليه وسلم -: ( دَعُونِي فَاَلَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْر ) مَعْنَاهُ دَعُونِي مِنْ النِّزَاع وَاللَّغَط الَّذِي شَرَعْتُمْ فِيهِ ، فَاَلَّذِي أَنَا فِيهِ مِنْ مُرَاقَبَة اللَّه تَعَالَى وَالتَّأَهُّب لِلِقَائِهِ وَالْفِكْر فِي ذَلِكَ وَنَحْوه أَفْضَل مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ .

قَوْله - صلى الله عليه وسلم -: ( أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَة الْعَرَب ) قَالَ أَبُو عُبَيْد: قَالَ الْأَصْمَعِيّ: جَزِيرَة الْعَرَب مَا بَيْن أَقْصَى عَدَن الْيَمَن إِلَى رِيف الْعِرَاق فِي الطُّول ، وَأَمَّا فِي الْعَرْض فَمِنْ جُدَّة وَمَا وَالَاهَا إِلَى أَطْرَاف الشَّام . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هِيَ مَا بَيْن حَفَر أَبِي مُوسَى إِلَى أَقْصَى الْيَمَن فِي الطُّول ، وَأَمَّا فِي الْعَرْض فَمَا بَيْن رَمْل يَرِين إِلَى مُنْقَطِع السَّمَاوَة . وَقَوْله: ( حَفَر أَبِي مُوسَى ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْفَاء أَيْضًا ، قَالُوا: وَسُمِّيَتْ جَزِيرَة لِإِحَاطَةِ الْبِحَار بِهَا مِنْ نَوَاحِيهَا وَانْقِطَاعهَا عَنْ الْمِيَاه الْعَظِيمَة ، وَأَصْل الْجُزُر فِي اللُّغَة الْقِطَع ، وَأُضِيفَتْ إِلَى الْعَرَب لِأَنَّهَا الْأَرْض الَّتِي كَانَتْ بِأَيْدِيهِمْ قَبْل الْإِسْلَام ، وَدِيَارهمْ الَّتِي هِيَ أَوْطَانهمْ وَأَوْطَان أَسْلَافهمْ . وَحَكَى الْهَرَوِيُّ عَنْ مَالِك أَنَّ جَزِيرَة الْعَرَب هِيَ الْمَدِينَة ، وَالصَّحِيح الْمَعْرُوف عَنْ مَالِك أَنَّهَا مَكَّة وَالْمَدِينَة وَالْيَمَامَة وَالْيَمَن ، وَأَخَذَ بِهَذَا الْحَدِيث مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ الْعُلَمَاء ، فَأَوْجَبُوا إِخْرَاج الْكُفَّار مِنْ جَزِيرَة الْعَرَب ، وَقَالُوا: لَا يَجُوز تَمْكِينهمْ مِنْ سُكْنَاهَا . وَلَكِنَّ الشَّافِعِيّ خَصَّ هَذَا الْحُكْم بِبَعْضِ جَزِيرَة الْعَرَب وَهُوَ الْحِجَاز ، وَهُوَ عِنْده مَكَّة وَالْمَدِينَة وَالْيَمَامَة وَأَعْمَالهَا دُون الْيَمَن وَغَيْره مِمَّا هُوَ مِنْ جَزِيرَة الْعَرَب بِدَلِيلٍ آخَر مَشْهُور فِي كُتُبه وَكُتُب أَصْحَابه . قَالَ الْعُلَمَاء: وَلَا يُمْنَع الْكُفَّار مِنْ التَّرَدُّد مُسَافِرِينَ فِي الْحِجَاز ، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الْإِقَامَة فِيهِ أَكْثَر مِنْ ثَلَاثَة أَيَّام . قَالَ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقُوهُ: إِلَّا مَكَّة وَحَرَمهَا فَلَا يَجُوز تَمْكِين كَافِر مِنْ دُخُوله بِحَالٍ ، فَإِنْ دَخَلَهُ فِي خُفْيَة وَجَبَ إِخْرَاجه ، فَإِنْ مَاتَ وَدُفِنَ فِيهِ نُبِشَ وَأُخْرِجَ مَا لَمْ يَتَغَيَّر . هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَجَمَاهِير الْفُقَهَاء .

وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَة دُخُولهمْ الْحَرَم ، وَحُجَّة الْجَمَاهِير قَوْل اللَّه تَعَالَى { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَس فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بَعْد عَامهمْ هَذَا } وَاللَّهُ أَعْلَم .

وَقَوْله - صلى الله عليه وسلم - ( وَأَجِيزُوا الْوَفْد بِنَحْوِ مَا كُنْت أُجِيزهُمْ ) قَالَ الْعُلَمَاء: هَذَا أَمْر مِنْهُ - صلى الله عليه وسلم - بِإِجَازَةِ الْوُفُود وَضِيَافَتهمْ وَإِكْرَامهمْ تَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ ، وَتَرْغِيبًا لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ وَنَحْوهمْ وَإِعَانَة عَلَى سَفَرهمْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: قَالَ الْعُلَمَاء سَوَاء كَانَ الْوَفْد مُسْلِمِينَ أَوْ كُفَّارًا ؛ لِأَنَّ الْكَافِر إِنَّمَا يَفِد غَالِبًا فِيمَا يَتَعَلَّق بِمَصَالِحِنَا وَمَصَالِحهمْ .

قَوْله: ( وَسَكَتَ عَنْ الثَّالِثَة ، أَوْ قَالَهَا فَأُنْسِيتهَا ) السَّاكِت اِبْن عَبَّاس ، وَالنَّاسِي سَعِيد بْنُ جُبَيْر ، قَالَ الْمُهَلَّب: الثَّالِثَة هِيَ تَجْهِيز جَيْش أُسَامَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَيَحْتَمِل أَنَّهَا قَوْله - صلى الله عليه وسلم -:"لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَد"، فَقَدْ ذَكَرَ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ مَعْنَاهُ مَعَ إِجْلَاء الْيَهُود مِنْ حَدِيث عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .

وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، مِنْهَا: جَوَاز كِتَابَة الْعِلْم ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذِهِ الْمَسْأَلَة مَرَّات ، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ جَاءَ فِيهَا حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ ؛ فَإِنَّ السَّلَف اِخْتَلَفُوا فِيهَا ثُمَّ أَجْمَعَ مَنْ بَعْدهمْ عَلَى جَوَازهَا ، وَبَيَّنَّا تَأْوِيل حَدِيث الْمَنْع .

وَمِنْهَا: جَوَاز اِسْتِعْمَال الْمَجَاز لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: ( أَكْتُب لَكُمْ ) أَيْ آمُر بِالْكِتَابَةِ ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْأَمْرَاض وَنَحْوهَا لَا تُنَافِي النُّبُوَّة ، وَلَا تَدُلّ عَلَى سُوء الْحَال .شرح النووي على مسلم - (6 / 26)

(3) - التفسير الحديث لدروزة- موافق للمطبوع - (9 / 575)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت