الصفحة 1150 من 1282

وقع لهم في مسيرتهم على الجهاد ، مما ينبغى أن يتطهر منه المجاهدون ، وأن يصفّو حسابهم معه بالتوبة والاستغفار ، بعد أن رأوا ما رأوا من قدرة اللّه ، ومن إحسانه وفضله عليهم .. وهذا مثل قوله تعالى: « لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ » (117: التوبة) [1]

هذه السورة الصغيرة . . كما تحمل البشرى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنصر الله والفتح ودخول الناس في دين الله أفواجًا؛ وكما توجهه - صلى الله عليه وسلم - حين يتحقق نصر الله وفتحه واجتماع الناس على دينه إلى التوجه إلى ربه بالتسبيح والحمد والاستغفار . .

كما تحمل إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - البشرى والتوجيه . . تكشف في الوقت ذاته عن طبيعة هذه العقيدة وحقيقة هذا المنهج ، ومدى ما يريد أن يبلغ بالبشرية من الرفعة والكرامة والتجرد والخلوص ، والانطلاق والتحرر . . هذه القمة السامقة الوضيئة ، التي لم تبلغها البشرية قط إلا في ظل الإسلام . ولا يمكن أن تبلغها إلا وهي تلبي الهدف العلوي الكريم .

وقد وردت روايات عدة عن نزول هذه السورة نختار منها رواية الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن داود ، عن الشعبي ، عن مسروق ، قال: قالت عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر في آخر أمره من قوله: « سبحان الله وبحمده ، أستغفر الله وأتوب إليه » قال: « إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي ، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره إنه كان توابًا » فقد رأيتها . . إذا جاء نصر الله والفتح ، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا ، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا « ( ورواه مسلم من طريق داود بن أبي هند بهذا النص ) . .

وقال ابن كثير في التفسير: والمراد بالفتح ها هنا فتح مكة . قولًا واحدًا . فإن أحياء العرب كانت تتلوم ( أي تنتظر ) بإسلامها فتح مكة يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي ، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجًا ، فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانًا ، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مُظهر للإسلام ولله الحمد والمنة ، وقد روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة يقولون: دعوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبي . . » الحديث « . .

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1699)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت