الصفحة 1149 من 1282

واطمئنان ، وفى قطع ويقين: إن هذه السورة نزلت قبل فتح مكة ، وفى أشد مواقف النبي حرجا وضيقا ، وهو في مواجهة أهل الشرك والضلال ـ فكانت مددا من أمداد السماء ، وزادا من عند اللّه ، يتزود به النبي وأصحابه ، فيما امتحنوا به في أنفسهم وأموالهم .. إنها طاقة من النور السماوي ، في وسط هذا الظلام الكثيف ، يرى المؤمنون على ضوئها وجه المستقبل المشرق ، الذي وعدهم اللّه فيه بالنصر ، والفتح! وقوله تعالى: « فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا » .

والتسبيح أولا ، لأنه المطلوب في مقام الشكر ، على هذه النعمة العظيمة ، بالنصر والفتح .. ثم الاستغفار ثانيا ، مما وقع من تقصير في حق اللّه على مسيرة الجهاد ، حتى جاء يوم النصر ، والفتح ..

فعلى مسيرة الجهاد ، وفى أوقات الشدة والضيق ، وفى مواقع الهزيمة ، وفقد الأحباب والأعزاء ، تتغير مواقف المجاهدين ، وتحوم حول مشاعرهم خواطر تهز إيمانهم ، على درجات مختلفة ، حسب ما في النفوس من إيمان ، وما في القلوب من يقين ..

فالنفس البشرية ـ أيا كانت من وثاقة الإيمان باللّه ـ تعرض لها في الشدائد والمحن ، عوارض ، من الخواطر ، والتصورات ، لا ترضاها لدينها ، وإيمانها بربها في ساعة اليسر ، وفى أوقات السلام والأمن .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا » (110: يوسف) وقوله تعالى عن النبي وأصحابه: « وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: مَتى نَصْرُ اللَّهِ ؟ » (214: البقرة) ويقول سبحانه عن المؤمنين في غزوة الأحزاب: « إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا » (10: الأحزاب) ـ وقد صرح المنافقون والذين في قلوبهم مرض من المؤمنين ـ صرحوا عن ظنونهم باللّه يومئذ ، فقالوا ما ذكره اللّه تعالى عنهم من قولهم: « ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا » (12: الأحزاب) .

فدعوة النبي إلى الاستغفار ، هى دعوة له ، وللمؤمنين معه ـ من باب أولى ـ إلى لقاء اللّه تعالى تائبين مستغفرين ، بعد أن يتم اللّه عليهم نعمة النصر والفتح ، ويبلغ بهم منزل السلامة والأمن .. وإنه ليس في هذا الاستغفار إلا مراجعة لما وقع في النفوس من ظنون باللّه عند بعض المؤمنين ، أو ضجر من الصبر على البلاء عند بعض آخر ، أو شعور بشىء من الأسى والحزن عند فريق ثالث ..

وهكذا وذلك في مسيرتهم على طريق الضرّ والأذى ، إلى أن لقيهم نصر اللّه والفتح.

وقوله تعالى: « إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا » أي كثير التوبة على عباده ، واسع المغفرة لذنوبهم .. وفى المبالغة في التوبة دلالة على كثرتها ، والدلالة على كثرتها ، دلالة على كثرة ذنوب العباد ، وما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت