الصفحة 1153 من 1282

قبلكم مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب فمن هذا يكون الاستغفار .

والاستغفار من التقصير في حمد الله وشكره .

فجهد الإنسان ، مهما كان ، ضعيف محدود ، وآلاء الله دائمة الفيض والهملان . . { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } فمن هذا التقصير يكون الاستغفار . .

وهناك لطيفة أخرى للاستغفار لحظة الانتصار . . ففيه إيحاء للنفس وإشعار في لحظة الزهو والفخر بأنها في موقف التقصير والعجز . فأولى أن تطامن من كبريائها ، وتطلب العفو من ربها . وهذا يصد قوى الشعور بالزهو والغرور . .

ثم إن ذلك الشعور بالنقص والعجز والتقصير والاتجاه إلى الله طلبًا للعفو والسماحة والمغفرة يضمن كذلك عدم الطغيان على المقهورين المغلوبين . ليرقب المنتصر الله فيهم ، فهو الذي سلطه عليهم ، وهو العاجز القاصر المقصر . وإنها سلطة الله عليهم تحقيقًا لأمر يريده هو . والنصر نصره ، والفتح فتحه ، والدين دينه ، وإلى الله تصير الأمور .

إنه الأفق الوضيء الكريم ، الذي يهتف القرآن بالنفس البشرية لتتطلع إليه ، وترقى في مدارجه ، على حدائه النبيل البار . الأفق الذي يكبر فيه الإنسان لأنه يطامن من كبريائه ، وترف فيه روحه طليقة لأنها تعنو لله!

إنه الانطلاق من قيود الذات ليصبح البشر أرواحًا من روح الله . وليس لها حفظ في شيء إلا رضاه . ومع هذا الانطلاق جهاد لنصرة الخير وتحقيق الحق؛ وعمل لعمارة الأرض وترقية الحياة؛ وقيادة للبشرية قيادة رشيدة نظيفة معمرة ، بانية عادلة خيرة ، . . الاتجاه فيها إلى الله .

وعبثًا يحاول الإنسان الانطلاق والتحرر وهو مشدود إلى ذاته ، مقيد برغباته ، مثقل بشهواته . عبثًا يحاول ما لم يتحرر من نفسه ، ويتجرد في لحظة النصر والغنم من حظ نفسه ليذكر الله وحده .

وهذا هو الأدب الذي اتسمت به النبوة دائمًا ، يريد الله أن ترتفع البشرية إلى آفاقه ، أو تتطلع إلى هذه الآفاق دائمًا . .

كان هذا هو أدب يوسف عليه السلام في اللحظة التي تم فيها كل شيء ، وتحققت رؤياه: { ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدًا ، وقال: يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًا . وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجآء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي . إن ربي لطيف لما يشآء ، إنه هو العليم الحكيم } وفي هذه اللحظة نزع يوسف عليه السلام . نفسه من الصفاء والعناق والفرحة والابتهاج ليتجه إلى ربه في تسبيح الشاكر الذاكر . كل دعوته وهو في أبهة السلطان وفي فرحة تحقيق الأحلام: رب قد آتيتني

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت