الصفحة 1169 من 1282

هذا الخبر على حقيقته ، وأنه خبر مطلق ، لم يخرج عن حقيقته إلى الدعاء .. فأبو لهب قد وقع عليه الهلاك فعلا ، وحل به البلاء منذ اتخذ من النبي ، ومن الدعوة الإسلامية ، هذا الموقف الأثيم الضال .. لقد ركب الطريق الذي لا نجاة لسالكه ، ولا سلامة لسائر فيه ، وكذلك امرأته التي ركبت معه هذا الطريق ، وعلقت فيه حبالها بحباله ..

والإخبار بالماضي عما لم يقع بعد ، إشارة تحقق وقوعه ، وأنه وإن لم يقع فهو في حكم الواقع ، إذ تقدمته أسبابه ، وقامت علله ، التي تدفع به دفعا إلى الواقع المحتوم .. وفى هذا الخبر إلفات للأنظار إلى هذا الطاغية الأثيم ، وهو يلبس رداء الهلاك والضياع ، على حين لا يزال شبحا يتحرك بين الناس .. إنه أشبه بالمحكوم عليه بالموت ، ينتظر ساعة التنفيذ فيه!! وقوله تعالى: « ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ » .

هو تعقيب على هذا الخبر ، فقد هلك أبو لهب ، ونزل به ما نزل من هوان وخسران ، دون أن ينفعه هذا المال الذي جمعه ، واعتز به ، ولا هؤلاء الأبناء الذين اشتد ظهره بهم .. لقد تخلى عنه ماله وولده جميعا ، وتركوه لمصيره الذي هو صائر إليه .. إنه في قيد الهلاك وهو بين أيديهم .. فهل يستطيع أحد أن يمد يده إلى نجاته ؟ إنه بين مخالب عقاب محلق به في السماء .. إن سقط من بين مخالبه هلك ، وإن مضى به هلك!! وما كسبه أبو لهب ، هو أولاده ، لأن الولد من كسب أبيه ، ومن تثميره ، كما يقول النابغة الذبياني.

مهلا فداء لك الأقوام كلّهم وما أثمر من مال ومن ولد

قيل إن أبا لهب قد أصيب بداء يسمى العدسة ـ ولعله الطاعون ـ وكانت العرب تخشى هذا الداء ، وتتحاشى المصاب به ، وكان ذلك بعد غزوة بدر ببضعة أيام ، فلما مات بدائه هذا ، لم يقترب أحد من أبنائه لمواراته في التراب ، خوفا من هذا الداء ، بل ألقوا عليه الحجارة من بعيد حتى أخفوا جثته ، وكأنهم يرجمونه ، ويشيعونه بهذه الرجوم ، وهم يذرفون الدمع الحزين عليه!!

وقوله تعالى: « سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ » .. هذا وعيد من اللّه سبحانه وتعالى لما سيلقى أبو لهب في الآخرة ، بعد أن عرف مصيره في الدنيا ، وأن كل ما كان يكيد به للنبى ، قد ردت سهامه إليه ، فرأى بعينيه في الدنيا ، كيف حلت الهزيمة بقريش يوم بدر ، وكيف قتل صناديدها ، وأسر زعماؤها .. وفى وصف النار بأنها ذات لهب ، إشارة إلى شؤم هذا الاسم الذي تسمى به ، أو الكنية التي تكنّى بها « أبو لهب » .. فقد ولد ، وهو يلبس هذا الثوب الناري ، الذي جعل منه وقودا يشتعل ، ويتلهب ، وكأنه شارة من شارات جهنم ذات اللهب التي يلقاها في الآخرة ، ويصلى جحيمها .. إنه من لهب ، وإلى اللهب ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت