الصفحة 1170 من 1282

وقوله تعالى: « وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ » ..معطوف على فاعل « سيصلى » أي سيصلى هو نارا ذات لهب ، وستصلى امرأته معه هذا النار ، ذات اللّهب ..

وقوله تعالى: « حَمَّالَةَ الْحَطَبِ » منصوب على الذّم ، بفعل محذوف قصد به التخصيص للصفة الغالبة عليها ، وتقديره: أعنى ، أو أقصد .. حمالة الحطب.

و « حَمَّالَةَ الْحَطَبِ » أي حمالة الفتنة ، التي تؤجج بها نار العداوة ، وتسعى بها بين الناس ، لتثير النفوس على النبي ، وتهيج عداوة المشركين له .. فقد كانت امرأة أبى لهب ـ واسمها أم جميل بنت حرب ، أخت أبى سفيان ـ كانت أشدّ نساء قريش عداوة للنبى ، وسلاطة لسان ، وسوء قالة فيه ، كما كان ذلك شأن زوجها أبى لهب من بين مشركى قريش كلهم .. وهكذا تتآلف النفوس الخبيثة ، وتنزاوج ، وتتوافق ، وتتجاذب! وقيل حمالة الحطب: أي حمالة الذنوب ، التي أشبه بالحطب الذي يتخذ وقودا ، والذي يتعرض لأية شرارة تعلق به فتأنى على كل ما اتصل من أثاث وغيره ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ » (31: الأنعام) .

وانظر إلى الإعجاز القرآنى في وصف امرأة أبى لهب ، وسعيها بالفتنة ، وإغراء الصدور على النبي ـ بأنها حمالة الحطب .. فهذا الحطب الذي تحمله ، مع مجاورته للهب الذي هو كيان زوجها كله ، لا بد أن يشتعل يوما ، وقد كان ..فأصبح الرجل وزوجه وقودا لنار جهنم ..

وانظر مرة أخرى إلى هذا الإعجاز في التفرقة بين « أبى لهب » وحمالة الحطب .. إنه هو الذي أوقد فيها هذه النار ، بما تطاير من شرره إلى هذا الحطب الذي تحمله ، وهو الذي أوقع بها هذا البلاء .. إنها كانت تحمل حطبا ، وحسب .. وهذا الحطب ـ وإن كان من وقود النار ـ إلا أنه قد يسلم منها ، لو لم يخالطها ، ويعلق بها .. وأما وقد خالطها « أبو لهب » فلا بد أن تشتعل ، وتحترق! وقوله تعالى: « فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ » .

الجيد: العنق ، والجيد من محاسن المرأة ، وسمى جيدا من الجودة ، وفيه تضع المرأة أجمل ما تنزين به من حلى وجواهر ..والمسد: الليف ، أو ما يشبهه ، مما تتخذ منه الحبال ..

وفى تعليق هذا الحبل في جيد أم جميل ، تصوير بليغ معجز لشناعة هذه المرأة ، وفى تشويه خلقها .. فما أبشع « جيد » امرأة كان من شأنه أن يتحلى بعقد من كريم الجواهر ، يشدّ إليه حبل من ليف .. إنه إهانة لعزيز ، وإذلال لكريم .. وإن الإهانة للعزيز ، والإذلال للكريم ، لأقتل للنفس ، وأنكى للقلب ، من إهانة المهين ، وإذلال الذليل! فكلمة « جيد » هنا مقصودة لذاتها ، إنه يراد بها ما لا يراد بلفظ رقبة ، أو عنق .. إنها تنزل امرأة من عقائل قريش ، ومن بيوتاتها المعدودة فيها ، لتلقى بها في عرض الطريق ، وهى تحمل على ظهرها حزم الحطب ، وتشدها إلى جيدها بحبل من ليف!! ولهذا فزعت المرأة ، وولولت حين سمعت هذا الوصف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت