فاللّه سبحانه وتعالى ، متعال عن الشبيه ، والنظير ، والكفء والمثيل .. وهذا ما ينفى عن اللّه سبحانه وتعالى أن يلد ، وأن يولد ، لأن التوالد إنما يكون بين الأشباه والنظائر ، وإذ قد انتفى عن أن يكون للّه سبحانه شبيه أو نظير ، فقد انتفى عنه أن يكون والدا ، وأن يكون مولودا .. تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا .. [1]
هذه السورة الصغيرة تعدل ثلث القرآن كما جاء في الروايات الصحيحة . قال البخاري: حدثنا إسماعيل: حدثني مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعد ، « أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ: { قل هو الله أحد } يرددها . فلما أصبح جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له وكأن الرجل يتقالها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: والذي نفسي بيده ، إنها لتعدل ثلث القرآن » .
وليس في هذا من غرابة . فإن الأحدية التي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعلنها: { قل هو الله أحد } هذه الأحدية عقيدة للضمير ، وتفسير للوجود ، ومنهج للحياة . . وقد تضمنت السورة من ثم أعرض الخطوط الرئيسية في حقيقة الإسلام الكبيرة . .
{ قل هو الله أحد } . . وهو لفظ أدق من لفظ « واحد » . . لأنه يضيف إلى معنى « واحد » أن لا شي ء غيره معه . وأن ليس كمثله شيء .
إنها أحدية الوجود . . فليس هناك حقيقة إلا حقيقته . وليس هناك وجود حقيقي إلا وجوده . وكل موجود آخر فإنما يستمد وجوده من ذلك الوجود الحقيقي ، ويستمد حقيقته من تلك الحقيقة الذاتية .
وهي من ثم أحدية الفاعلية . فليس سواه فاعلًا لشيء ، أو فاعلًا في شيء ، في هذا أصلًا . وهذه عقيدة في الضمير وتفسير للوجود أيضًا . .
فإذا استقر هذا التفسير ، ووضح هذا التصور ، خلص القلب من كل غاشية ومن كل شائبة ، ومن كل تعلق بغير هذه اللذات الواحدة المتفردة بحقيقة الوجود وحقيقة الفاعلية .
خلص من التعلق بشيء من أشياء هذا الوجود إن لم يخلص من الشعور بوجود شيء من الأشياء أصلًا! فلا حقيقة لوجود إلا ذلك الوجود الإلهي . ولا حقيقة لفاعلية الإرادة الإلهية . فعلام يتعلق القلب بما لا حقيقة لوجوده ولا لفاعليته!
وحين يخلص القلب من الشعور بغير الحقيقة الواحدة ، ومن التعلق بغير هذه الحقيقة . . فعندئذ يتحرر من جميع القيود ، وينطلق من كل الاوهاق . يتحرر من الرغبة وهي أصل قيود كثيرة ،
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1711)