الصفحة 1210 من 1282

3-وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ أي وأعوذ باللَّه من شرّ كل حاسد إذا حسد: وهو الذي يتمنى زوال النعمة التي أنعم اللَّه بها على المحسود.

ومضات:

ثم خص تعالى مخلوقات أُخَر بالاستعاذة من شرها ، لظهور ضررها وعسر الاحتياط منها ؛ فلا بد من الفزع إلى الله والاستنجاد بقدرته الشاملة على دفع شرها ، فقال سبحانه: { وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ } قال ابن جرير: أي: ومن شر السواحر اللاتي ينفثن في عُقد الخيط حين يَرقين عليها ، وبه قال أهل التأويل ، فعن مجاهد: الرقي في عقد الخيط . وعن طاوس: ما من شيء أقرب إلى الشرك من رقية المجانين ، ومثله عن قتادة والحسن . وقال الزمخشري: النفاثات النساء أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقدًا في خيوط ويَنفثن عليها ويرقين . والنفث: النفخ مع ريق ، ولا تأثير لذلك ، اللهم إلا إذا كان ثَمَّ إطعام شيء ضار أو سقيه أو إشمامه ، أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه ، ولكن الله عز وجل قد يفعل عند ذلك فعلًا على سبيل الامتحان الذي يتميز به الثبت على الحق من الحشوية والجهلة من العوام ، فينسبه الحشوية والرّعاع إليهن وإلى نفثهن . والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبؤون به .

فإن قلت: فما معنى الاستعاذة من شرهن ؟ قلت: فيها ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر ، ومن إثمهن في ذلك .

والثاني: أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن وما يخدعنهم به من باطلهن .

الثالث: أن يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن . انتهى .

وفي الآية تأويل آخر ، وهو اختيار أبي مسلم رحمه الله ، قال: النفاثات النساء ، والعقد عزائم الرجال وآراؤهم ، مستعار من عقد الحبال ، والنفث وهو تليين العقدة من الحبل بريق يقذفه عليه ليصير حبلهُ سهلًا . فمعنى الآية: أن النساء لأجل كثرة حبِّهن في قلوب الرجال يتصرفن في الرجال يحولنهم من رأي إلى رأي ومن عزيمة إلى عزيمة ؛ فأمر الله رسوله بالتعوذ من شرهن . كقوله: { إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ } [ التغابن: 14 ] ، فكذلك عظم الله كيدهن فقال: { إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } [ يوسف: 28 ] .

تنبيه:

قال الشهاب: نقل في"التأويلات"عن أبي بكر الأصم أنه قال: إن حديث < سحره صلوات الله عليه > ، المروي هنا ، متروك لِما يلزم من قول الكفرة أنه مسحور . وهو مخالف لنص القرآن حيث أكذبهم الله فيه . ونقل الرازي عن القاضي أنه قال: هذه الرواية باطلة ، وكيف يمكن القول بصحتها ، والله تعالى يقول: { وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } [ المائدة: 67 ] وقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت