فهرس الكتاب
{ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } [ طه: 69 ] ولأن تجويزه يفضي إلى القدح في النبوة ؛ ولأنه لو صح ذلك لكان من الواجب أن يصلوا إلى ضرر جميع الأنبياء والصالحين ، ولقدروا على تحصيل الملك العظيم لأنفسهم ، وكلُّ ذلك باطلٌ ، ولكان الكفار يعيرونه بأنه مسحور . فلو وقعت هذه الواقعة لكان الكفار صادقين في تلك الدعوة ، ولحصل فيه - عليه السلام - ذلك العيب . ومعلوم أن ذلك غير جائز . انتهى . ولا غرابة في أن لا يقبل هذا الخبر لما برهن عليه ، وإن كان مخرَّجًا في الصحاح ؛ وذلك لأنه ليس كل مخرج فيها سالمًا من النقد ، سندًا أو معنى ، كما يعرفوه الراسخون . على أن المناقشة في خبر الآحاد معروفة من عهد الصحابة .
قال الإمام الغزالي في"المستصفى": ما من أحد من الصحابة إلا وقد ردَّ خبر الواحد ، كردِّ عليٍّ رضي الله عنه خبر أبي سنان الأشجعي في قصة بروع بنت واشق ، وقد ظهر منه أنه كان يحلف على الحديث . وكردِّ عائشة خبر ابن عمر في < تعذيب الميت ببكاء أهله عليه > ، وظهر من عمر نهيه لأبي موسى وأبي هريرة عن الحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وأمثال ذلك مما ذكر . أورد الغزالي ذلك في مباحث: خبر الآحاد في معرفة شبه المخالفين فيه ، وذكر رحمه الله في مباحث الإجماع إجماعَ الصحابة على تجويز الخلاف للآحاد ، لأدلة ظاهرة قامت عندهم
وقال الإمام ابن تيمية في"المسودة": الصواب أن من رد الخبر الصحيح كما كانت الصحابة ترده ، لاعتقاده غلط الناقل أو كذبه ، لاعتقاد الراد أن الدليل قد دل على أن الرسول لا يقول هذا ، فإن هذا لا يكفر ولا يفسق ، وإن لم يكن اعتقاده مطابقًا ، فقد رد غير واحد من الصحابة غير واحد من الأخبار التي هي صحيحة عند أهل الحديث . انتهى
وقال العلامة الفناري في"فصول البدائع": ولا يضلل جاحد الآحاد ، والمسألة معروفة في الأصول ، وإنما توسعت في نقولها لأني رأيت من متعصبة أهل الرأي مَن أكبر ردَّ خبر رواه مثل البخاري ، وضلل منكره ؛ فعلمت أن هذا من الجهل بفنِّ الأصول ، لا بأصول مذهبه ، كما رأيت عن الفناري . ثم قلت: العهد بأهل الرأي أن لا يقيموا للبخاري وزنًا ، وقد ردوا المئين من مروياته بالتأويل والنسخ ، فمتى صادقوه حتى يضللوا من رد خبرًا فيه ؟ وقد برهن على مدعاه . وقام يدافع عن رسول الله ومصطفاه .
وبعد ، فالبحث في هذا الحديث شهير قديمًا وحديثًا ، وقد أوسع المقال فيه شراح"الصحيح"وابن قتيبة في شرح"تأويل مختلف الحديث"والرازي . والحق لا يخفى على طالبه . والله أعلم . [1]
(1) - محاسن التأويل تفسير القاسمي - (13 / 357)