فهرس الكتاب
أنه إنما تسلط على ظاهره ، وجوارحه ، لا على قلبه ، واعتقاده وعقله ، وأنه إنما أثّر في بصره ، وحبسه عن وطء نسائه وطعامه ، وأضعف جسمه وأمرضه ..
ويكون معنى قوله: « يخيل إليه أنه أنى أهله ولا يأتيهن » أي يظهر له من نشاطه ، ومتقدم عادته القدرة على النساء ، فإذا دنا منهن أصابته أخذة السحر فلم يقدر على إتيانهن ، كما يعترى من أخذ وامترض. »
وينقل الآلوسى في تفسيره روح المعاني عن الإمام المازري قوله تعليقا على هذا الحديث:
« قد أنكر هذا الحديث المبتدعة ، من حيث أنه يحطّ منصب النبوة ويشكك فيها ، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع. « وأجيب ، بأن الحديث صحيح ، وهو غير مراغم للنص « 1 » ، ولا يلزم عليه حطّ منصب النبوة والتشكيك فيها ، لأن الكفار أرادوا بقولهم « مسحور » أنه مجنون ، وحاشاه .. ولو سلّم إرادة ظاهره ، فهو من قبيل هذه القصة ، أو مرادهم أن السحر أثّر فيه ، وأن ما يأتيه من الوحى ، من تخيلات السحر ، وهو كذب أيضا ، لأن اللّه تعالى ، عصمه فيما يتعلق بالرسالة ، وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث عليه الصلاة والسلام بسببها ، وهى مما يعرض للبشر ، فغير بعيد أن يخيل إليه من ذلك ما لا حقيقة له .. وقد قيل إنه كان يخيل إليه أنه وطىء زوجاته وليس بواطىء .. وقد يخيل لإنسان مثل هذا في المنام ، فلا يبعد تخيله في اليقظة ».
وهذا ـ كما ترى ـ دفاع متهافت ، فإن التسلط على البدن والجوارح ، من شأنه أن يجوز على التفكير ، وأن يفسد الرؤية الصحيحة للأمور ، كما حدث ذلك فيما دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى تصوراته ، كما يقول الحديث!!
وأما ابن قيم الجوزية ، فيعلق على حديث السحر بقوله: « هذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث ، متلقّى منهم بالقبول ..لا يختلفون في صحته ، وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغير هم ، وأنكروه أشد الإنكار ، وقابلوه بالتكذيب ، وصنف فيه بعضهم مصنفا منفردا ، حمل فيه على هشام ـ ابن عروة بن الزبير ـ راوى الحديث عن السيدة عائشة ـ وكان غاية من أحسن القول فيه (أي في هشام) ، أن قال: « غلط ، واشتبه عليه الأمر » ولم يكن من هذا شىء ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز أن يسحر ، فإنه ـ أي لو سحر ـ يكون تصديقا لقول الكفار: « إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا » قالوا ـ أي الذين يردون هذا الحديث ـ: وهذا كما قال فرعون: « وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا » وكما قال قوم صالح له: « إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ » « (153: الشعراء) وكما قال قوم شعيب له: « إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ » (185: الشعراء) « قالوا ـ أي الذين يردّون هذا الحديث: « فالأنبياء لا يجوز عليهم أن يسحروا ، فإن ذلك ينافى حماية اللّه لهم ، وعصمتهم من الشياطين » .