فهرس الكتاب
ثم يقول ابن القيم:
« وهذا الذي قاله هؤلاء ، مردود عند أهل العلم .. فإن هشاما من أوثق الناس وأعلمهم ، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب ردّ حديثه ..
« فما للمتكلمين وما لهذا الشأن ؟ وقد رواه غير هشام عن عائشة .. وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث ، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة .. ؟
ويقول ابن القيم:
« والسحر الذي أصابه (صلوات اللّه وسلامه عليه) كان مرضا عارضا ، شفاه اللّه منه. ولا نقص في ذلك ولا عيب بوجه ما ، فإن المرض يجوز على الأنبياء ، وكذلك الإغماء ، فقد أغمى عليه - صلى الله عليه وسلم - في مرضه ، ووقع حين انفكت قدمه ، وجحش شقّه « 1 » ، وهذا من البلاء ، الذي يزيده اللّه به رفعة في درجاته ، ونيل كرامته .. وأشد الناس بلاء الأنبياء ، فابتلوا من أممهم بما ابتلوا به ، من القتل والضرب ، والشتم ، والحبس .. فليس ببدع أن يبتلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من بعض أعدائه بنوع من السحر ، كما ابتلى بالذي رماه فشجّه ، وابتلى بالذي ألقى عليه السلام السّلا « 2 » وهو ساجد ، وغير ذلك ، فلا نقص عليهم ـ أي الأنبياء ـ ولا عار في ذلك ، بل هذا من كمالهم وعلو درجاتهم عند اللّه ثم يقول:
« وأما قولكم: إن سحر الأنبياء ينافى حماية اللّه لهم .. فإنه سبحانه كما يحميهم ويصونهم ، ويحفظهم ويتولاهم ، فإنه يبتليهم بما شاء من أذى الكفار ، ليستوجبوا كمال كرامته ، وليتأسّى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم إذا أوذوا من الناس فرأوا ماجرى على الرسل والأنبياء ـ صبروا وتأسوا بهم ، ولتمتلئ صاع الكفار ، فيستوجبوا ما أعد لهم من النكال العاجل ، والعقوبة الآجلة ، فيمحقهم اللّه بسبب بغيهم وعدوانهم ، فيعجل تطهير الأرض منهم .. فهذا من بعض حكمته تعالى في ابتلاء أنبيائه ورسله ، بإيذائهم من أقوامهم ، وله الحكمة البالغة ، والنعمة السابغة ، لا إله غيره ، ولا رب سواه » .
وهذا ـ كما ترى ـ دفاع متهافت أيضا ، فإن ما يبتلى اللّه سبحانه أنبياءه به من صنوف الابتلاء من أقوامهم ، إنما هو في عناد هؤلاء الأقوام ، وفى ضلالهم وتأبيهم على قبول الخير ، وهذا ما لا يمسّ الأنبياء شىء منه .. وأما ما عرض للرسول من إغماء ونحوه ، فقد كان أمرا عارضا لا يتجاوز لحظة من عمر يوم أو ليلة ..
أما أن يمتد هذا المعارض ستة أشهر أو سنة ، فهذا ما يقطع النبىّ عن رسالته ، ويعزله من مقام النبوة.
ويقول ابن حزم في كتابه المحلّى تعقيبا على حديث السحر: