الصفحة 1224 من 1282

« فهذا خبر صحيح .. وقد عرّف اللّه تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - من سحره ، فلم يقتله » !! ومن عجب أن عالما فقيها مجتهدا ، واسع الأفق كابن القيم ، وأن عالما كبيرا عرف بنفاذ البصيرة ، واحترام العقل كابن حزم ـ من عجب أن يكون هذا موقف هذين العالمين الجليلين من حديث السحر ، يغلب عليهما فيه ما تواردت عليه مقولات العلماء ، من قبوله ، والاحتجاج إليه .. ولا أدلّ على ذلك من أن ابن القيم يتحدث في موقف آخر عن السحر ، فيقول ـ فيما ينقله عنه ابن حجر في شرح هذا الحديث من البخاري ـ يقول: « قال ابن القيم: من أنفع الأدوية وأقوى ما يوجد من النشرة ـ أي استخراج السحر ، وإبطال عمله ـ مقاومة السحر ـ الذي هو من تأثيرات الأرواح الخبيثة ـ بالأدوية الإلهية ، من الذّكر والدعاء ، لا يخل به « 1 » ـ كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له .. قال (أي ابن القيم) :

« وسلطان تأثير السحر ، هو في القلوب الضعيفة ، ولهذا غالب ما يؤثّر ، في النساء ، والصبيان والجهال ، لأن الأرواح الخبيثة ، إنما تنشط على أرواح من تلقاه مستعدة لما يناسبها » هذا ما يقرره ابن القيم هنا من تمكن الأرواح الخبيثة ، التي يقع من آثارها ما يسعى السحر ، حسب رأيه .. وهو يرى أن هذه الأرواح الخبيثة لا سلطان لها إلا على الأرواح النازلة ، الضعيفة ، كأرواح الصبيان والجهال .. فكيف يقبل ـ مع هذا ـ قول ، بأن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ـ قد سحر ؟ وكيف يكون هذا قولا لابن القيم نفسه ؟ ينزل هذا بالنبيّ وبمقامه العظيم إلى مستوى الصبيان والجهال ؟

ويردّ ابن حجر على ما نقله ـ ملخصا ـ من قول ابن القيم ، فيقول:

«و يعكّر عليه ـ أي يؤخذ على قوله هذا ـ حديث الباب (أي الباب الذي ورد فيه حديث السحر) . وجواز السحر على النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ مع عظيم مقامه ، وصدق توجهه ، وملازمة ورده (أي ذكر اللّه) ثم يقول ابن حجر: « ولكن يمكن الانفصال عن ذلك ـ أي الرد على قول ابن القيم ـ بأن الذي ذكره محمول على الغالب ، وإنما وقع به - صلى الله عليه وسلم - ـ لبيان تجويز ذلك » ..

هذا هو جانب من موقف المنكرين لهذا الحديث ، والمدافعين عنه.

وهناك كثير من العلماء ، آثروا العافية ، وأعفوا أنفسهم من أن يكونوا طرفا في هذه القضية ، وهؤلاء هم جماعة من أئمة المفسرين ، لم يشاؤا أن يعرضوا لحديث السحر ، عند تفسير هم لسورة « الفلق » بل نظروا في قوله تعالى: « وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ » ـ نظروا فيه نظرا مجانبا لحديث السحر ، فلم يشيروا إلى هذا الحديث من قريب أو بعيد ، مع أن هذا هو موضعه الذي يشار إليه فيه .. وهذا يعنى أنهم في موقف توقّف إزاء هذا الحديث ، وأنهم يميلون إلى ردّه ، أكثر من ميلهم إلى قبوله .. ومن هؤلاء الأئمة المفسرين الذين وقفوا هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت