فهرس الكتاب
الموقف من حديث السحر: الزمخشري ، والطبري ، والقرطبي ، والنّسفى .. هناك إذن ثلاثة مواقف للعلماء من هذا الحديث ، حديث السحر ..
موقف من يردّه ، ويأبى التسليم به ، تنزيها لمقام النبوة ، وتأكيدا لعصمة النبي ..
وموقف من ينصر هذا الحديث ، ويحاول تخريجه على ما يحفظ للنبوة مقامها ، ويبقى على النبي عصمته ..
وموقف من تجنب الخوض في هذه المعركة ، مهاجما أو مدافعا ، فلم يعرض لهذا الحديث بإشارة من قريب أو من بعيد ..
وإنى إذ أسأل نفسى أىّ موقف من هذه المواقف أنحاز إليه ، وآخذ مكانى فيه ، ما دمت قد أقحمت نفسى في زمرة العلماء الدارسين لكتاب اللّه ـ لأجدنى محمولا حملا لا شعوريا على التوقف في هذا الحديث ، ثم على تركه وعدم الأخذ به .. وذلك لأمور:
أولهما: أنه ليس حديثا يروى عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ـ يريد به أمرا من أوامر الدين ، أو نهيا من نواهيه ، أو يبغى به نصحا أو إرشادا مما يتصل بالشريعة وأحكامها وآدابها..
فهذا الحديث ـ إن صح ـ لا يعدو أن يكون خبرا عن حال من أحوال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، الخاصة به ، والتي لا يطلع عليها غير خاصة أهله كالسيدة عائشة رضى اللّه عنها .. فهذا الحديث ـ إن صح ـ لم يرد إلا عن السيدة عائشة ، وهذا يعنى أن هذا العارض الذي عرض للنبى ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ لم يكن له أي أثر خارج بيت الرسول ، وخارج صلته بالسيدة عائشة بالذات ، والتي قيل إن رسول اللّه حبس عنها ستة أشهر ، وفى بعض الروايات سنة .. ولو كان هذا العارض الذي عرض للنبىّ ذا أثر في غير هذه الدائرة الضيقة المحدودة ، لا شهر أمره ، ولكان حدثا من الأحداث التي يهتز لها كيان المجتمع الإسلامى كله ، بل ولطارت أنباؤه خارج الجزيرة العربية ، ولكان حديثا جاريا على ألسنة المسلمين وأعداء المسلمين في كل مكان ، ولعاش في أجيال الأمة المسلمين زمنا ممتدا ، لا ينقطع الحديث عنه
أما أن يكون حديث آحاد ، لا يمسك به إلا آل الزبير عن السيدة عائشة ، فهذا ما لا يتسع منطق الحياة لقبوله ، إلا أن يكون مما يتصل بالعلاقة الزوجية بين النبي ، وبين السيدة عائشة وحدها .. ، فلا تطلع عليه إلّا هى ومن كان قريبا منها كأبناء أختها صفية ، من زوجها الزبير بن العوام.
وثانيها: أن القرآن الكريم يقول للنبى الكريم: « وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » ..
وهذا وعد من اللّه سبحانه وتعالى بحفظ النبىّ ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ مما يكيد له به أعداؤه ، سواء أكان ذلك فيما يتصل بجسده ، أو عقله ، أو مشاعره ..