الصفحة 1228 من 1282

والطمأنينة والسلام . .ومن ثم تبدأ كل منهما بهذا التوجيه . { قل: أعوذ برب الفلق } . . { قل: أعوذ برب الناس } . .

وفي قصة نزولها وقصة تداولها وردت عدة آثار ، تتفق كلها مع هذا الظل الذي استروحناه ، والذي يتضح من الآثار المروية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استروحه في عمق وفرح وانطلاق: عن عقبة ابن عامر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم يُر مثلهن قط؟ قل: أعوذ برب الفلق وقل: أعوذ برب الناس » .

وعن جابر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « اقرأ يا جابر . قلت ماذا بأبي أنت وأمي؟ قال: اقرأ . قل أعوذ برب الفلق . وقل أعوذ برب الناس » فقرأتهما . فقال: « اقرأ بهما فلن تقرأ بمثلهما » .وعن ذر بن حبيش قال: سألت أبي بن كعب رضي الله عنه عن المعوذتين . قلت: يا أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا ( وكان ابن مسعود لا يثبتهما في مصحفه ثم ثاب إلى رأي الجماعة وقد أثبتهما في المصحف ) فقال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: « قيل لي: قل . فقلت » فنحن نقول كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكل هذه الآثار تشي بتلك الظلال الحانية الحبيبة . .

وهنا في هذه السورة يذكر الله سبحانه نفسه بصفته التي بها يكون العياذ من شر ما ذكر في السورة . { قل أعوذ برب الفلق } . . الفلق من معانيه الصبح ، ومن معانيه الخلق كله . بالإشارة إلى كل ما يفلق عنه الوجود والحياة ، كما قال في الأنعام: { إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي } وكما قال: { فالق الإصباح وجعل الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا } وسواء كان هو الصبح فالاستعاذة برب الصبح الذي يؤمّن بالنور من شر كل غامض مستور ، أو كان هو الخلق فالاستعاذة برب الخلق الذي يؤمّن من شر خلقه ، فالمعنى يتناسق مع ما بعده ..

{ من شر ما خلق } . . أي من شر خلقه إطلاقًا وإجمالًا . وللخلائق شرور في حالات اتصال بعضها ببعض . كما أن لها خيرًا ونفعًا في حالات أخرى . والاستعاذة بالله هنا من شرها ليبقى خيرها . والله الذي خلقها قادر على توجيهها وتدبير الحالات التي يتضح فيها خيرها لا شرها!

{ ومن شر غاسق إذا وقب } . . والغاسق في اللغة الدافق ، والوقب النقرة في الجبل يسيل منها الماء . والمقصود هنا غالبًا هو الليل وما فيه . الليل حين يتدفق فيغمر البسيطة . والليل حينئذ مخوف بذاته . فضلًا على ما يثيره من توقع للمجهول الخافي من كل شيء: من وحش مفترس يهجم . ومتلصص فاتك يقتحم . وعدو مخادع يتمكن . وحشرة سامة تزحف . ومن وساوس وهواجس وهموم وأشجان تتسرب في الليل ، وتخنق المشاعر والوجدان ، ومن شيطان تساعده

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت