فهرس الكتاب
فإذا قلنا إن النبىّ ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ لم يسحر ، ولم يمسسه سوء ، في جسده ، أو عقله ، قام بين أيدينا أكثر من شاهد يصدّق هذا القول ويؤكده ..
فأولا: عصمة النبوّة ، تلك العصمة التي لا تتحقق إلا بالسلامة المطلقة في العقل أولا ، وفى الجسد ثانيا.
وثانيا: ما وعد اللّه به نبيّه الكريم في قوله سبحانه: « وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » .
وثالثا: الواقع المحسوس الذي قامت عليه حياة الرسول في أصحابه ، وأنه كان يقيم لهم صلاتهم ، في الحضر والسفر ، في السلم والحرب ، لم يتخلف عن هذا يوما واحدا ، أو فريضة واحدة ، إلا في اليومين الأخيرين من حياته ..
هذا ما ينبغى أن يتقرر ويتأكد ، وما يجب أن نقيم عليه إيماننا باللّه ، وبرسول اللّه ..
هذا وقد يلقانا من يقول: كيف تتصدى لخبر ورد في البخاري ، وفى مسلم وفى كتب السنة الصحاح ؟ وكيف تشك فيه وتتردد في قبوله ؟ إن ذلك إن سلّم لك به كان معناه إهدار السنة ، ووضع مصادرها الموثّقة موضع الاتهام!! ونقول: كلا: إننا نحترم كتب السنة ، وننزل أصحابها من نفوسنا منزلة الإعزاز والإجلال ، ونكبر جهادهم المبرور في جمع السنّة المطهرة وحفظها ..
ولكن هذه قضية ، ورفع مقام هذه الكتب فوق مقام القرآن الكريم ، وإنزاله على حكمها ، مما يخالف صريح محكم آياته ـ قضية أخرى ..
ولقد صحّ منا العزم ، ونحن نكتب هذه السطور الأخيرة من تفسير كتاب اللّه ، أن نلتقى بكتب السنّة في دراسة ، نرجو أن يوفقنا اللّه فيها ، وأن يعيننا عليها ، وأن يسدد خطانا على طريق الحق إلى سنة رسول اللّه ، صلوات اللّه وسلامه عليه ، التي هى وحي من عند اللّه ، وبيان شارح لكتاب اللّه .. « رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ .. » [1]
هذه السورة والتي بعدها توجيه من الله سبحانه وتعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ابتداء وللمؤمنين من بعده جميعًا ، للعياذ بكنفه ، واللياذ بحماه ، من كل مخوف: خاف وظاهر ، مجهول ومعلوم ، على وجه الإجمال وعلى وجه التفصيل . . وكأنما يفتح الله سبحانه لهم حماه ، ويبسط لهم كنفه ، ويقول لهم ، في مودة وعطف: تعالوا إلى هنا . تعالوا إلى الحمى . تعالوا إلى مأمنكم الذي تطمئنون فيه . تعالوا فأنا أعلم أنكم ضعاف وأن لكم أعداء وأن حولكم مخاوف وهنا . . هنا الأمن
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1718)