الصفحة 1247 من 1282

قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ، مَلِكِ النَّاسِ ، إِلهِ النَّاسِ أي قل أيها الرسول: ألجأ وأستعين باللَّه مربي الناس ومتعهدهم بعنايته ورعايته ، وخالقهم ومدبر أمرهم ومصلح أحوالهم ، وله الملك التام والسلطان القاهر ، وهو الإله المعبود الذي يعبده الناس ، واسم الإله خاص باللَّه لا يشاركه فيه أحد ، أما الملك فقد يكون إلها وقد لا يكون.

وهذه صفات ثلاث للَّه عزّ وجلّ: الربوبية ، والملك ، والألوهية ، فهو ربّ كل شيء ، ومليكه ، وإلهه ، فجميع الأشياء مخلوقة له ، مملوكة ، عبيد له. وإنما قدم الربوبية لمناسبتها للاستعاذة ، فهي تتضمن نعمة الصون والحماية والرعاية ، ثم ذكر الملكية لأن المستعيذ لا يجد عونا له ولا غوثا إلا مالكه ، ثم ذكر الألوهية لبيان أنه المستحق للشكر والعبادة دون سواه.

والسبب في تكرار لفظ النَّاسِ هو مزيد البيان والإظهار ، والتنويه بشرف الناس مخلوقات اللَّه تعالى ، وقال: « ربّ الناس » مع أنه ربّ جميع المخلوقات ، فخصّ الناس بالذّكر للتشريف ، ولأن الاستعاذة لأجلهم.

مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ أي ألجأ إلى اللَّه وأحتمي من شرّ الشيطان ذي الوسوسة ، الكثير الخنوس أي الاختفاء والتأخر ، بذكر اللَّه ، فإذا ذكر الإنسان اللَّه تعالى خنس الشيطان وانقبض ، وإذا لم يذكر اللَّه انبسط على القلب. قال ابن عباس في هذه الآية: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم ، فإذا سها وغفل وسوس ، فإذا ذكر اللَّه خنس.

وقد سلط اللَّه الشيطان على الناس إلا من عصمه اللَّه ، للمجاهدة والفتنة والاختبار ،ثبت في الصحيح عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ » . قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « وَإِيَّاىَ إِلاَّ أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِى عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلاَ يَأْمُرُنِى إِلاَّ بِخَيْرٍ » . [1]

وثبت في الصحيح عَنْ عَلِىِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَىٍّ زَوْجَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تَزُورُهُ وَهْوَ مُعْتَكِفٌ فِى الْمَسْجِدِ فِى الْعَشْرِ الْغَوَابِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً مِنَ الْعِشَاءِ ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ ، فَقَامَ مَعَهَا النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَقْلِبُهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ الَّذِى عِنْدَ مَسْكَنِ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بِهِمَا رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ نَفَذَا ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « عَلَى رِسْلِكُمَا ، إِنَّمَا هِىَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ » . قَالاَ سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ . وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا . قَالَ « إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنِ ابْنِ آدَمَ مَبْلَغَ الدَّمِ ، وَإِنِّى خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِى قُلُوبِكُمَا » [2] .

(1) - صحيح مسلم (7286)

(2) - صحيح البخارى (6219 ) -تنقلب: ترجع إلى بيتها -يقلب: يردها إلى منزلها -نفذ: مضى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت