الصفحة 1248 من 1282

وروى الحافظ أبو يعلي الموصلي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ الشَّيْطَانَ وَاضِعٌ خَطْمَهُ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ ، فَإِنْ ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ ، وَإِنْ نَسِيَ الْتَقَمَ قَلْبَهُ فَذَلِكَ الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ [1]

وعَنْ رَجُلٍ قَالَ كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَثَرَتْ دَابَّتُهُ فَقُلْتُ تَعِسَ الشَّيْطَانُ . فَقَالَ « لاَ تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَانُ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَعَاظَمَ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الْبَيْتِ وَيَقُولَ بِقُوَّتِى وَلَكِنْ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَصَاغَرَ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الذُّبَابِ » . [2]

وفيه دلالة على أن القلب متى ذكر اللَّه تصاغر الشيطان وغلب ، وإن لم يذكر اللَّه تعاظم وغلب.

ثم أبان موضع وسوسته ، فقال: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ أي الذي يلقي خواطر السوء والشرّ في القلوب ، وإنما ذكر الصدور لأنها تحتوي على القلوب ، والخواطر محلها القلب ، كما هو المعهود في كلام العرب.

ثم بيّن اللَّه تعالى أن الذي يوسوس نوعان: جني وإنسي ، فقال: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أي أن ذلك الموسوس إما شيطان الجن ، فيوسوس في صدور الناس ، كما تقدم ، وإما شيطان الإنس ، ووسوسته في صدور الناس: أنه يري نفسه كالناصح المشفق ، فيوقع في الصدر كلامه الذي أخرجه مخرج النصيحة ، فيجعله فريسة وسوسة الشيطان الجني. وهذا يدل على أن الوسواس قد يكون من الجن وقد يكون من الناس ، كما جاء في قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ، يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام 6/ 112] أي ليست العداوة قهرية جبرية ، وإنما بما أودع اللَّه فيهم من قدرة الاختيار ، فمنهم من يختار الإصغاء لوسوسة الشياطين ، ومنهم من يحذر عداوتهم ووسوستهم.

ومضات:

وقال الإمام: إنما جعل الوسوسة في الصدور ، على ما عهد في كلام العرب من أن الخواطر في القلب ، والقلب مما حواه الصدر عندهم ، وكثيرًا ما يقال: إن الشك يحوك في صدره ، وما الشك إلا في نفسه وعقله ، وأفاعيل العقل في المخ ، وإن كان يظهر لها أثر في حركات الدم وضربات القلب وضيق الصدر أو انبساطه .

وقوله تعالى: { مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ } بيان للذي يوسوس على أنه ضربان: ضرب من الجِنَّة وهم الخلق المستترون الذين لا نعرفهم ، وإنما نجد في أنفسنا أثرًا ينسب إليهم ، وضرب من الإنس كالمضلِّلين من أفراد الْإِنْسَاْن ، كما قال تعالى:

(1) - مسند أبي يعلى الموصلي (4301) صحيح لغيره

(2) - سنن أبى داود (4984 ) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت