فهرس الكتاب
وقد رأينا أن ننقل رأى الإمام في هذه الأقسام التي أقسم اللّه سبحانه بها في القرآن ، لأننا لم نجد قولا خيرا من هذا القول ، ولا أوضح منه في هذا المقام.
قوله تعالى: « وَالنَّازِعاتِ غَرْقًا » اختلف المفسرون ـ كشأنهم دائما فيما يحتمل التأويل والتخريج ـ فلم يجتمعوا على رأى في مدلول كلمة « النازعات » .
والرأى عندنا ـ واللّه أعلم ـ أنها هى النجوم البعيدة ، الغائرة ، الغارقة في أطباق السماء العليا ..
فالنزع: بمعنى الانطلاق ، والنزوح البعيد ..
والغرق: بمعنى الإغراق في الأمر ، ومجاوزة الحدود ..
« وَالنَّاشِطاتِ نَشْطًا » هى النجوم ، القريبة ـ نسبيّا ، ـ منّا ، فنرى لها حركات ظاهرة ، على خلاف النجوم ، الغارقة في أجواء السموات العلا ، حيث تبدو وكأنها مقيدة في أماكنها ، أما النجوم القريبة ، فتظهر عليها الحركة ، وتبدو كأنها نشطت من عقالها ..
« وَالسَّابِحاتِ سَبْحًا » هى الكواكب ، المطلة علينا في سماء الدنيا ، كالشمس ، والقمر ، والمشترى والمريخ ، وزحل ، وغيرها.
فهذه الكواكب لقربها منا ، نراها سابحة في الجو ، كما تسبح الطيور ..
ـ « وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ » (38: يس) .. « فَالسَّابِقاتِ سَبْقًا » ..
هى هذه الكواكب السابحة سبحا ، وهى ـ كما يبدو من ظاهر حركاتها ـ في سباق مع بعضها ، حيث ترى الشمس مرة أمام القمر ، ويرى القمر مرة أمامها ..
« فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا » ..هى أيضا نفس هذه الكواكب ، السابحات سبحا ، والسابقات سبقا ..
إنها في تعاملنا معها ، تضبط الزمن ، ساعات ، وأياما ، وشهورا .. « وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ » (12: الإسراء) ..وتدبير هذه الكواكب لأمورنا ، هو فيما يظهر من آثارها في حياتنا ، من حرّ وبرد ، ومن هبوب رياح ، ونزول أمطار ، وإنضاج ثمار ، ومدّ وجزر في البحار ، وغير ذلك مما نشهده من حركة الشمس والقمر ، وما يتبع هذه الحركة من آثار في عالمنا الأرضى ، برّا ، وبحرا ، وجوّا ..
قوله تعالى: « يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ. تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ » ..ليس هذا جواب القسم ، فجواب القسم ـ كما قلنا ـ هو مادل عليه ختام سورة النبأ ، أما هذا فهو بيان لما يجرى في يوم القيامة ، الذي جاء القسم لتوكيده ، الأمر الذي يقتضى التسليم به ، فلم يبق إلا بيان ما يحدث فيه ..