فهرس الكتاب
معرفة اللّه وتوحيده وعبادته ، فتخاف عقابه ، بأداء ما أمر به ، واجتناب ما نهى عنه. والخشية لا تكون إلا من مهتد راشد.
وإنما أمره اللّه بلين القول ، ليكون أنجع في الدعوة لأن دعوة الجبابرة تتطلب عادة التلطف والرفق والمداراة ، لتخفيف غلوائهم ، واستنزال شيء من عتوهم وتجبرهم. وقد تكرر الأمر باللين في هذه القصة في القرآن الكريم ، كما جاء في قوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ، لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [طه 20/ 44] .
والآية دليل على أن المقصود الأعظم من بعثة الرسل هداية الناس إلى معرفة اللّه ، وأن معرفة اللّه تستفاد من الهادي.
ثم أبان اللّه تعالى أن موسى أظهر لفرعون معجزته ، فقال: فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى أي فأظهر له العلامة والمعجزة الكبرى الدالة على صدق نبوته ، وهي انقلاب العصا حية أو اليد ، ومع ذلك كذّب وخالف ، كما قال تعالى: فَكَذَّبَ وَعَصى ، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى أي فكذب فرعون بموسى وبما جاء به وبالحق ، وعصى اللّه عزّ وجلّ فلم يطعه ، وتولى وأعرض عن الإيمان ، وأخذ يسعى بالفساد في الأرض ، ويجتهد في مكايدة موسى ومعارضة ما جاء به.
والجمع بين فَكَذَّبَ وَعَصى للدلالة على أنه كذب بالقلب واللسان ، وعصى بأن أظهر التمرد والتجبر.
فَحَشَرَ فَنادى ، فَقالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى أي فجمع جنوده للتشاور أو جمع السحرة للمعارضة ، ثم نادى في المقام الذي اجتمعوا فيه معه ، أو أمر مناديا ينادي قائلا: أنا الرّب الأعلى ، وصاحب السلطان المطلق ، الذي ليس لأحد سواي ولاية أمركم ، ولا ربّ فوقي ، فكان جزاؤه الإغراق مع جنوده ، كما قال تعالى: فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى أي أخذه اللّه أخذ عزيز مقتدر ، وانتقم منه انتقاما جعله به عبرة ونكالا لأمثاله المتمردين في الدنيا ، ونكّل به نكال الآخرة وهو عذاب النار ، ونكال الأولى وهو عذاب الدنيا بالغرق ، ليتعظ به من يسمع خبره ، وإن فيما ذكر من قصة فرعون وما فعل به عبرة عظيمة لمن شأنه أن يخشى اللّه ويتقيه ويتعظ وينزجر ، فينظر في أحداث الماضي ، ويقيس بها أحوال الحاضر والمستقبل. فقوله: الْآخِرَةِ وَالْأُولى أي الدنيا والآخرة ، وهو الصحيح في معنى الآية كما قال ابن كثير.
ومضات:
وقوله تعالى: « هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى » ..الخطاب من اللّه سبحانه وتعالى للنبى ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ وفيه استدعاء له من هذا الجو الخانق الذي ينفث فيه المشركون سمومهم والذي ترمى فيه أنفاسهم بدخان كثيف من تلك النار المشتعلة في قلوبهم ، كمدا ، وغيظا من النبىّ ودعوته .. وفى هذا الخطاب إدناء للنبىّ الكريم من ربه جلّ وعلا ، وإيناس له.