الصفحة 137 من 1282

والاستفهام ، يراد به الخبر .. أي لم يأتك حديث موسى .. فاستمع إليه إذن! وقد جاء الخبر في صيغة الاستفهام ، لما يؤذن به الاستفهام هنا من عظيم اللطف ، وكريم الإحسان من اللّه سبحانه إلى النبىّ الكريم ، حتى ليخاطبه مولاه خطاب الحبيب إلى الحبيب ، في رفق ، ومودّة ، ليقول له: « هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى » ؟ أي أعلمت حديث موسى ؟ وأ تريد أن تعلمه ؟ ألا ، فاستمع!! وفى هذا ما يشير إلى أن ذلك أول ما تلقاه النبىّ من آيات اللّه ، من نبأ موسى وفرعون ..

وقوله تعالى: « إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً » أي الحديث الذي نريد أن نبلغك إيّاه من أمر موسى ، هو ما كان من نداء اللّه سبحانه وتعالى ، إياه ، وهو بالواد المقدس « طوى » ..

و « الوادي المقدس » ، هو واد في أسفل جبل سيناء ، من الجانب الأيمن منه ، في الطريق المتجه من الشام إلى مصر .. كما يقول سبحانه: « وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا » (52: مريم) و « طوى » اسم لهذا الوادي.

قوله تعالى: « اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى » هو بيان لما نودى به موسى من ربه ، أي ناداه سبحانه ب قوله تعالى: « اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ » وقوله تعالى: « إنه طغى » هو بيان لسبب الدعوة بالذهاب إليه .. إنه طغى ، وتجاوز الحدود في بغيه وعدوانه ، وفى كفره وضلاله.

قوله تعالى: « فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى ، وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى » .وتلك هى الرسالة التي يحملها موسى من ربه إلى فرعون ..

وقوله تعالى: « هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى » أي هل تودّ أن تتزكى ، ويتطهر ؟

وفى هذا الأسلوب الاستفهامى ، ترفق وتلطف في الدعوة إلى اللّه ، وفى مواجهة عناد المعاندين وكبر المتكبرين باللطف واللين ..

إن الحكمة تقضى في مثل هذا المقام ، أن يستميل الداعي إلى الحقّ من يدعوه إليه ، وأن يترفق في الدخول إلى قلبه ، حتى يجد منه أذنا صاغية ، وقلبا واعيا ، إذا كان فيه بقية من عقل ، أو يقظة من ضمير .. ولو جاء الداعي إلى من يدعوه إلى العدول عن الطريق الذي هو عليه ـ لو جاءه آمرا ، أو زاجرا ، أو فاضحا لحاله المتلبس بها ، لما وجد منه إلا إعراضا وازورارا ، وتكرّها لسماع ما يلقى إليه من حديث ، فكيف إذا كان هذا المدعوّ جبارا عنيدا كفرعون ؟

ولهذا جاء قوله تعالى: « فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى » راسما لموسى هذا المنهج الحكيم لدعوة هذا الجبار العنيد ، كما جاء ذلك في قوله تعالى: « اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ، فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى » (43 ـ 44: طه) . وفى هذا الأسلوب القرآنى الخطة المثلى ، والمثل الكامل القويم ، لأصحاب الدعوات ، من القادة ، والزعماء ، والمصلحين .. إنهم لن يبلغوا بدعوتهم مواطن الإقناع ، ولن يحصلوا منها على ثمر طيب ، إلا إذا جعلوا الرفق واللين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت