الصفحة 138 من 1282

سبيلها إلى الناس ، والا إذا غذّوها بمشاعر الحبّ ، والرغبة الصادقة في الإصلاح ، وبخاصة إذا كان الداعي يدعو إلى حقّ ، ويهدف إلى هدى وإصلاح: « ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » (145: النحل) .

وليس مما يدخل في هذا الباب ، المداهنة ، والمخادعة ، والنفاق .. فذلك كله شر ، إذا اختلط بالدعوة الصالحة أفسدها ، وإذا خالط الحقّ أثار الدخان الكثيف في سمائه الصافية ، فغشّى على الأبصار ، وحجب الرؤية عن مواقع الهدى ..

قوله تعالى: « فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى » .هنا كلام كثير محذوف ، دلّ عليه المقام ، أي فجاء موسى إلى فرعون ودعاه في رفق ولطف إلى اللّه ، فما كان من فرعون إلا أن ردّ موسى ردّا قبيحا ، وأغلظ له القول ، ورماه بالكذب والجنون ، فلما أراد موسى أن يدفع هذه التّهم عنه ، ويثبت لفرعون أنه رسول ربّ العالمين ، تحدّاه فرعون بأن يأتى بما يدلّ على أنه رسول من عند اللّه ـ « فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى » وهى العصا وانقلابها حية تسعى .. وهى أكبر الآيات التي بين يدى موسى ..

وقوله تعالى: « فَكَذَّبَ وَعَصى ، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى ، فَحَشَرَ فَنادى ، فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى » .

هذا بيان لموقف فرعون بعد أن أراه موسى الآية الكبرى .. لقد كذب بما رأى ، واتهم موسى بأنه ساحر .. ثم جمع سحرته ، ولقى بهم موسى ، معلنا في الناس أنه الرب الأعلى ، وأن الرب الذي يدعو إليه موسى ، هو رب دونه منزلة وعلوّا .. فهكذا يبلغ الضلال والسّفه بالضالين السفهاء!! وفى قوله تعالى: « ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى » إشارة إلى أنه بعد أن رأى الحية وأفاعيلها ، وما أوقعته في قلبه وقلوب من معه ـ لبس ثوب الحية ، فجعل يسعى في الناس مهددا متوعدا ، باعثا الرعب والفزع في القلوب ، حتى يخرج منها هذا الفزع الذي استولى عليها من حيّة موسى.

قوله تعالى: « فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى » هذه هو ختام القصة .. لقد انتهت بهزيمة فرعون ، وخزيه ، وفضح ربوبيته على أعين الناس .. ثم لم يقف الأمر عند هذا ، بل أخذه اللّه بالعذاب في الآخرة ، بأن أعد له أسوأ مكان في جهنم ، كما أخذه بالعذاب في الدنيا بأن أماته شرّ ميتة ، بأن أهلكه غرقا ، ثم ألقى جثته المتعفنة على الشاطئ ، وقد عافت حيوانات البر أن تطعم منها ، بل ظلت هكذا عبرة وعظة ، في هذا الإله المتعفن ، الذي يزكم الأنوف ريحه النتن ، « فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً » (92: يونس) وقدّم نكال الآخرة على نكال الأولى ، لأن عذاب الآخرة أشد وأقسى ، لا يكاد ما لقيه فرعون من عذاب في الدنيا يعدّ شيئا بالنسبة سيلقاه لما في الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت