فهرس الكتاب
ثواب الآخرة فدار العذاب مستقره ومأواه وأما من خاف مقامه بين يدى ربه في ذلك اليوم ،وزجر نفسه عن هواها ، فلم تجر وراء شهواتها فالجنة منزله ومأواه ، جزاء ما قدمت يداه. [1]
إذا جاءت الطامة يفصل ربك بين الخلائق ، فمنهم شقي ، ومنهم سعيد ، فأما الشقي فهو الذي طغى وتجاوز الحدود وآثر الحياة الدنيا ، فكانت الجحيم هي المأوى ، وبئس المصير ، وأما السعيد فهو من خاف مقام ربه ، وخاف قيامه بين يدي العزيز الجبار يوم القيامة ، وقد نهى النفس عن هواها ، وألزمها كلمة التقوى ، فكانت الجنة هي المأوى ونعم القرار. أرأيت أسباب دخول جهنم وأنها هي الطغيان والظلم ، وحب الدنيا وترك العمل للآخرة ؟ وأسباب دخول الجنة وأنها معرفة اللّه والخوف منه ، ونهى النفس عن اتباع الهوى ؟ ! وقد كانوا يسألون النبي - صلى الله عليه وسلم - استهزاء بالساعة قائلين: متى تكون ؟ ويقصدون بذلك إنكار الوقوع ، فيرد اللّه عليهم على طريق الاستفهام الإنكارى مخاطبا النبي - صلى الله عليه وسلم - ليكون أتم وأبلغ: فيم أنت من ذكراها ؟ على معنى: في أى شيء أنت حتى تذكر لهؤلاء وقت حصولها ؟ واللّه وحده عنده علم الساعة ، وإلى ربك وحده منتهاها ، وإنما أنت منذر فقط من يخشاها ، وليس عليك إلا البلاغ فلا يهمنك أمرهم ، ولا تشغل بطلبهم ، وكأنك بهم يوم يرونها ، تراهم كأنهم لم يلبثوا في هذه الدنيا إلا عشية أو ضحاها وقد انقضت ، فإذا هم فيما أنكروه واقعون. [2]
التفسير والبيان:
فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى ، يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى ، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى أي إذا حان وقت مجيئ الداهية العظمى التي تطم على سائر الطامات ، وهي يوم القيامة أو النفخة الثانية التي يكون معها البعث أو تسليم أهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار ، وينسى الإنسان كل شيء قبلها في جنبها ، فصل اللّه تعالى بين الخلائق ، فمنهم شقي وسعيد ، فجواب (إذا) محذوف وهو: فصل اللّه ..
ولذلك اليوم صفتان: إنه حين يتذكر الإنسان جميع ما عمله من خير أو شر لأنه يشاهده مدونا في صحائف عمله ، كما قال تعالى: يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ، وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى [الفجر 89/ 23] وقال سبحانه: أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة 58/ 6] . وفيه تظهر نار جهنم المحرقة إظهارا لا يخفى على أحد.
سواء أكان مؤمنا أم كافرا ، كما قال تعالى: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ [الشعراء 26/ 91] . قال مقاتل: « يكشف عنها الغطاء ، فينظر إليها الخلق » فأما المؤمن: فيعرف برؤيتها قدر نعمة اللّه عليه بالسلامة منها ، وأما الكافر: فيزداد غما إلى غمه ، وحسرة إلى حسرته.
(1) - تفسير المراغي ، ج 30 ، ص: 34
(2) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (3 / 821)