الصفحة 155 من 1282

ثم فصّل اللّه تعالى ما يحكم به بين الخلائق ، فقال: فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ،أي فأما من تكبر وتمرد ، وتجاوز الحد في الكفر والمعاصي ، وقدّم الحياة الدنيا على أمر الدين والآخرة ، ولم يستعد لها ، ولا عمل عملها ، فالنار المحرقة هي مأواه ومثواه ومستقره لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة. قيل: نزلت الآية في النضر وابنه الحارث ، وهي عامة في كل كافر آثر الحياة الدنيا على الآخرة.

وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى أي وأما من خاف القيام بين يدي اللّه عز وجل وخاف حكم اللّه فيه يوم القيامة ، وأدرك عظمة اللّه وجلاله ، ونهى نفسه عن هواها ، وزجرها عن المعاصي والمحارم التي تشتهيها ، وردها إلى طاعة مولاها ، فالجنة مكانه الذي يأوي إليه ، ومستقره ومقامه ، لا غيرها. والآية نزلت في مصعب بن عمير وأخيه عمار بن عمير ، وهي عامة في كل مؤمن خاف اللّه ، ولم يتبع هواه.

وهذان الوصفان مضادان للوصفين اللذين وصف اللّه بهما أهل النار ، فقوله: وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ ضد فَأَمَّا مَنْ طَغى وقوله: وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ضد قوله: وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا.

والخوف من اللّه لا بد وأن يكون مسبوقا بالعلم باللّه ، على ما قال اللّه: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر 35/ 28] . ولما كان الخوف من اللّه هو السبب المعين لدفع الهوى ، لذا قدمه على قوله: وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى [1] .

ثم ذكر اللّه تعالى تساؤل المشركين على سبيل الاستهزاء عن ميعاد القيامة ، فقال: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها أي يسألك أيها النبي المشركون المكذّبون بالبعث عن وقت إرساء القيامة وميعاد وقوعها ، متى يقيمها اللّه ويوجدها ، أو ما منتهاها ومستقرها كرسوّ السفينة ؟ وذلك حين كانوا يسمعون النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر القيامة بأوصافها الهائلة. مثل الطامة والصاخة والازفة والحاقة والقارعة ، فقالوا على سبيل الاستهزاء: أَيَّانَ مُرْساها أي زمان إرسائها.

فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ، إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها أي: في أي شيء أنت يا محمد من ذكر القيامة والسؤال عنها ؟ أو في أي شيء أنت من ذكر تحديدها ووقتها ، أي لست من ذلك في شيء [2] . وهذا تعجب من كثرة ذكره لها ، كأنه قيل: في أيّ شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها ، حرصا على جوابهم. والمعنى ليس علمها إليك ولا إلى أحد من الخلق ، بل مردها ومرجعها ومنتهى علمها إلى اللّه عز وجل ، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين ، ولا يوجد علمها عند غيره ، فكيف يسألونك عنها ويطلبون منك بيان وقت قيامها ؟ وهم يسألونك عنها ، فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها.

(1) - تفسير الرازي: 31/ 51

(2) - البحر المحيط: 8/ 424

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت