وأما من حذر مقامه بين يدي ربه ، وزجر نفسه عن المعاصي والمحارم ، فمثواه ومستقره الجنة. قال سهل: ترك الهوى مفتاح الجنة لقوله عز وجل: وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى .
قال عَلِيُّ بْنُ الْهَيْثَمِ الْمِصْرِيُّ ، سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ الْعَابِدَ أَبَا الْفَيْضِ يَقُولُ:"اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ جَاوَزُوا دَارَ الظَّالِمِينَ , وَاسْتَوْحَشُوا مِنْ مُؤَانَسَةِ الْجَاهِلِينَ , وَشَابُوا ثَمَرَةَ الْعَمَلِ بِنُورِ الْإِخْلَاصِ , وَاسْتَقَوْا مِنْ عَيْنِ الْحِكْمَةِ , وَرَكِبُوا سَفِينَةَ الْفِطْنَةِ , وَأَقْلَعُوا بِرِيحِ الْيَقِينِ , وَلَجَجُوا فِي بَحْرِ النَّجَاةِ , وَأَرْسَوْا بِشَطِّ الْإِخْلَاصِ , اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ سَرَحَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي الْعُلَا , وَحَطَّتْ هِمَمَ قُلُوبِهِمْ فِي غَادِيَاتِ التُّقَى ، حَتَّى أَنَاخُوا فِي رِيَاضِ النَّعِيمِ ، وَجَنُوا مِنْ ثِمَارِ رِيَاضِ التَّسْنِيمِ , وَخَاضُوا لُجَّةَ السُّرُورِ , وَشَرِبُوا بِكَأْسِ الْعَيْشِ , وَاسْتَظَلُّوا تَحْتَ ( في ) الْكَرَامَةِ , اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ فَتَحُوا بَابَ الصَّبْرِ , وَأَرْدَمُوا خَنَادِقَ الْجَزَعِ , وَجَازُوا شَدَائِدَ الْعِقَابِ , وَعَبَرُوا جِسْرَ الْهَوَاءِ ؛ فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ يَقُولُ: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ أَشَارَتْ إِلَيْهِمْ أَعْلَامُ الْهِدَايَةِ , وَوَضَحَتْ لَهُمْ طَرِيقُ النَّجَاةِ , وَسَلَكُوا سَبِيلَ إِخْلَاصِ الْيَقِينِ" [1]
8-أدّى تساؤل المشركين عن وقت قيام الساعة استهزاء إلى كثرة سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، حرصا على جوابهم. ولكن اللّه جلّت حكمته اختص بعلم الساعة ، ولم يطلع أحدا عليها لأن الإنذار والتخويف إنما يتمان إذا لم يكن العلم بوقت قيام القيامة حاصلا ، فلا حاجة إلى الاستفهام عن وقتها بعد العلم باقترابها ، فإن هذا القدر من العلم يكفي في وجوب الاستعداد لها ، بل لا يتم الغرض من التكليف إلا بإخفاء وقتها كالموت.
9-حجب اللّه نبيه عن السؤال عن الساعة ، وأعلمه بأن علمها إلى اللّه وحده ، ووجّهه للعناية والقيام بمهمته الأصلية: وهي الإنذار والتخويف لمن يخشى مقام اللّه لأنهم المنتفعون به ، وإن كان منذرا لكل مكلف ، وهو كقوله تعالى: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ [يس 36/ 11] .
10-كل ما هو في حكم الواقع واقع حتما ، فكأن الكفار والمشركين الذين يتساءلون عن القيامة استهزاء وتهكما واقعون فيها ، قائمون في ساحاتها ، وهم حين يرونها وما فيها من أهوال تشيب لها الولدان ، يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا ، ويقدّرون أنها قدر عشية من ليل أو ضحى من نهار يتبع تلك العشية ، والمراد تقليل مدة الدنيا ، كما قال تعالى: لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ [الأحقاف 46/ 35] .
(1) - الْمُعْجَمُ الصَّغِيرُ لِلطَّبَرَانِيِّ (558 )