10 ... تَلَهَّى ... تتشاغل
المعنى الإجمالي:
نزلت هذه السورة في ابن أم مكتوم عمرو بن قيس ابن خال خديجة ، وكان أعمى وهو من المهاجرين الأولين. استخلفه - صلى الله عليه وسلم - على المدينة يصلى بالناس مرارا ، وكان يؤذن بعد بلال.
وكان من حديثه أن أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة ومعه صناديد قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، والعباس بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ، والوليد بن المغيرة ، يدعوهم للإسلام ، ويذكّرهم بأيام اللّه ، ويحذرهم بطشه وجبروته ، ويعدهم أحسن المثوبة إن أسلموا ، وهو شديد الحرص على أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه ، لأنه يعلم أن سيسلم بإسلامهم خلق كثير ، إذ بيدهم مقادة العرب.
فقال ابن أم مكتوم: يا رسول اللّه أقرئنى وعلمنى مما علمك اللّه ، وكرر ذلك وهو لا يعلم تشاغله بالقوم ، فكره الرسول قطعه لكلامه ، وظهرت في وجهه الكراهة ، فعبس وأعرض عنه.
وقد عاتب اللّه نبيّه بأن ضعف ذلك الأعمى وفقره لا ينبغى أن يكون باعثا على كراهة كلامه والإعراض عنه ، لأن ذلك يورث انكسار قلوب الفقراء ، وهو مطالب بتأليف قلوبهم كما قال: « وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ » وقال: « وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا » .
ولأنه كان ذكىّ الفؤاد إذا سمع الحكمة وعاها ، فيتطهر بها من أو ضار الآثام ، وتصفو بها نفسه ، أو يذكّر بها ويتعظ فتنفعه العظة في مستأنف أيامه.
أما أولئك الأغنياء فأكثرهم جحدة أغبياء ، فلا ينبغى التصدي لهم ، طمعا في إقبالهم على الإسلام ، ليتبعهم غيرهم.
وقوّة الإنسان إنما هى في ذكاء لبّه ، وحياة قلبه ، وإذعانه للحق متى لا حت له أماراته ، أما المال والنشب ، والحشم والأعوان فهى عوار تجىء وترتحل ، وتفرّ حينا ثم تنتقل.
والخلاصة - إنه سبحانه عاتب نبيه وأمره بأن يقبل على ذى العقل الذكي ، ونهاه أن ينصرف عنه إلى ذى الجاه القوى ، فإن الأول حىّ بطبعه والثاني غائب عن حسّه.
وكان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول هذه الآيات يكرم ابن أم مكتوم ويقبل عليه ويتفقده ، ويقول له إذا رآه: أهلا بمن عاتبنى فيه ربى ، ويسأله هل لك حاجة ؟ [1]
(1) - تفسير المراغي ، ج 30 ، ص: 39